المغرب

“تور حبوس”.. النهاية القريبة

في قلب شارع الجيش الملكي بمدينة الدار البيضاء، تقف عمارة “تور حبوس” شاهدة على مرحلة كاملة من تاريخ العاصمة الاقتصادية. هذه البناية التي كانت، لسنوات طويلة، نقطة التقاء لعدد كبير من المؤسسات الإعلامية والتجارية، تعيش اليوم على إيقاع العدّ العكسي لنهاية تبدو أقرب من أي وقت مضى.

“تور حبوس” ليست مجرد عمارة عادية وسط المدينة، بل فضاء احتضن لعقود عشرات المكاتب المهنية، من مؤسسات إعلامية إلى شركات خدماتية، مروراً بمعاهد للتكوين ومقاهٍ شكلت ملاذاً للصحافيين والطلبة والموظفين. كانت البناية بمثابة خلية نابضة بالحياة في واحد من أهم شوارع الدار البيضاء وأكثرها حركية.

غير أن التحولات العمرانية الكبيرة التي يعرفها شارع الجيش الملكي جعلت مصير هذه البناية مطروحاً بقوة على طاولة القرار. فمع بروز مشاريع فندقية وسياحية كبرى، وظهور منشآت حديثة أعادت رسم ملامح الشارع، أصبح من الصعب على بنايات قديمة مثل “تور حبوس” أن تستمر بالشكل الذي كانت عليه في السابق.

اليوم، تسعى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المالكة للعقار، إلى إيجاد صيغة مناسبة لإفراغ البناية بالكامل، تمهيداً لهدمها وإعادة بنائها وفق تصور عمراني جديد يتلاءم مع التحولات التي يشهدها محيطها. وتُجرى في هذا الإطار مشاورات مع عدد من المكتَرِين والمهنيين الذين يشغلون المكاتب داخل العمارة، من أجل التوصل إلى حلول متوازنة تحفظ حقوق الجميع وتُمهّد لبدء المشروع الجديد.

ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يشهده محيط شارع الجيش الملكي، حيث عرف الشارع خلال السنوات الأخيرة دينامية عمرانية غير مسبوقة، خاصة بعد افتتاح فنادق فخمة من مستوى عالٍ مثل Royal Mansour Casablanca وCasablanca Marriott Hotel، إلى جانب مشاريع استثمارية أخرى رفعت من قيمة المنطقة وغيرت وجهها العمراني.

هذه التحولات جعلت المنطقة تتحول تدريجياً إلى قطب سياحي وتجاري راقٍ، يجذب الاستثمارات ويعكس صورة جديدة للدار البيضاء كمدينة تسعى إلى تحديث بنيتها الفندقية والخدماتية استعداداً لمواعيد دولية كبرى، من بينها الاستحقاقات الرياضية العالمية التي سيحتضنها المغرب في السنوات المقبلة.

وسط هذا التحول الكبير، تبدو “تور حبوس” وكأنها تنتمي إلى زمن آخر. بناية عتيقة حافظت طويلاً على حضورها وسط ناطحات الفنادق والمشاريع الحديثة، لكنها لم تعد قادرة على مجاراة الإيقاع العمراني الجديد الذي تعرفه المنطقة.

ومع اقتراب قرار الإفراغ الكامل، يعيش عدد من المهنيين الذين ارتبطت أعمالهم بهذه العمارة حالة من الترقب. فالكثير منهم قضى سنوات طويلة داخل مكاتبها، وبنى علاقات مهنية وإنسانية بين جدرانها، ما يجعل فكرة الرحيل عنها ليست مجرد انتقال مهني عادي، بل نهاية مرحلة كاملة من الذاكرة اليومية لشارع الجيش الملكي.

ومع ذلك، فإن منطق التحول العمراني يفرض نفسه بقوة. فمشروع إعادة بناء “تور حبوس” قد يفتح الباب أمام منشأة جديدة بمعايير حديثة، قادرة على الاندماج في الدينامية الاستثمارية التي تعرفها المنطقة، وربما يمنح المكان حياة جديدة بشكل مختلف.

هكذا، تقف “تور حبوس” اليوم عند مفترق طرق بين الماضي والمستقبل. عمارة صنعت جزءاً من ذاكرة الدار البيضاء المهنية والإعلامية، لكنها تستعد على الأرجح لتسليم المشعل لبناية جديدة ستولد من نفس المكان، في شارع لم يعد يشبه الأمس.