الحكرة.. ONEE تترك أطرها ومستخدميها فريسة للـSRM بجهة بني ملال

لم يعد انتقال أطر ومستخدمي المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات مجرد ورش إصلاحي لتنزيل حكامة جديدة لقطاع الماء والكهرباء، بل تحول في جهة بني ملال خنيفرة إلى مصدر قلق اجتماعي حقيقي، بعدما وجد عشرات الكهربائيين أنفسهم في مواجهة وضع مهني ضبابي، وحقوق مهددة، وإدارة تتراجع عن التزامات موثقة، وسط صمت غير مفهوم من المؤسسة الأم التي يفترض أن تحمي أبناءها المهنيين.
فبين وعود الإصلاح وضمان الاستمرارية المهنية، وواقع الممارسة داخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات، تتسع هوة الثقة يوما بعد يوم. الأطر التي راكمت سنوات من الخبرة داخل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، انتقلت على أساس الحفاظ على مكتسباتها القانونية والاجتماعية، غير أنها اصطدمت بمنطق تدبيري جديد يضرب في العمق روح الاتفاقية الإطار والقانون المنظم للشركات الجهوية، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤال المسؤولية الأخلاقية والإدارية للدولة ومؤسساتها تجاه موظفين خدموا المرفق العمومي لعقود.
الأخطر من ذلك، حسب مصادر نقابية، أن إدارة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب تنصلت عمليا من دورها في مواكبة المستخدمين المنقولين، ولم تبادر إلى مد الوزارة الوصية بالوثائق والضمانات الضرورية لحماية حقوقهم، تاركة إياهم في مواجهة مباشرة مع قرارات تدبيرية أحادية داخل الشركة الجهوية، وهو ما اعتبره مهنيون شكلا واضحا من “الحكرة المؤسساتية” التي تضرب الاستقرار الاجتماعي داخل قطاع استراتيجي حساس.
بلاغ نقابي يكشف حجم الاحتقان
عقد المكتب النقابي للجامعة الوطنية لعمال الطاقة بجهة بني ملال خنيفرة اجتماعا استثنائيا يوم الجمعة 17 أبريل 2026 لتقييم أوضاع الكهربائيين الذين تم نقلهم إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات بني ملال خنيفرة، حيث أكد البلاغ أن الوضع الحالي أصبح عنوانه الأبرز تراجع الإدارة العامة للشركة عن مقتضيات الاتفاقية الإطار الموقعة بين السلطات العمومية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، والجامعة الوطنية لعمال الطاقة، إضافة إلى مخالفة روح القانون 21-83 المؤسس للشركات الجهوية متعددة الخدمات.
وسجل البلاغ سلسلة من الاختلالات الخطيرة، أبرزها حرمان الكهربائيين من التعويض عن التنقل الذي ظل حقا مكتسبا إلى حدود يوم انتقالهم، بعدما تم ربطه بشرط جديد وغامض يتعلق بما يسمى شعاع 30 كيلومترا، وهو شرط لم يرد في أي وثيقة رسمية صادرة عن المكتب الوطني للكهرباء ولم يكن معمولا به سابقا داخل الجهة.
كما ندد المكتب النقابي بتماطل الإدارة العامة للشركة الجهوية في معالجة مشكل نقطة نهاية سنة 2025 لعدد من المستخدمين، وهو تأخير من شأنه حرمانهم من الترقية الداخلية برسم سنة 2026، فضلا عن التأخر غير المبرر في الإفراج عن التعيينات في مناصب المسؤولية، خلافا لما يجري بباقي الشركات الجهوية على الصعيد الوطني.
وسجل البلاغ أيضا تلويح الإدارة بعدم تعيين الأطر الكهربائية في مناصب تتناسب مع مؤهلاتها العلمية والمهنية، مقابل تعيين أطر قادمة من مؤسسات أخرى، وهو ما اعتبرته النقابة تهميشا واضحا للأطر الكهربائية واعتمادا لمنطق الانتقائية والازدواجية في التدبير.
ومن بين النقاط المثيرة للاحتقان كذلك، تسجيل نقص يفوق 20 في المائة في منحة إنجاز الأهداف لشهر مارس 2026، وهو إجراء يتعارض مع بنود الاتفاقية الإطار المتعلقة بالأجور والمنح السنوية، إلى جانب التأخر في صرف مستحقات الساعات الإضافية ومنحة الاستخلاص ومنحة الصندوق لفائدة مستخدمي الوكالات التجارية.
وأشار البلاغ إلى استمرار تماطل بعض المسؤولين في توقيع عطل العمل وإخضاعها لحسابات ضيقة، رغم أن المستخدمين سبق أن أجبروا على تأجيل عطلهم خلال مرحلة انطلاق الشركة الجهوية، إضافة إلى اعتماد مساطر إدارية معقدة للحصول على أوامر بمهمة أو وثائق إدارية، مما يربك السير العادي للعمل ويعرقل استفادة المستخدمين من حقوقهم.
كما سجلت النقابة تأخر صرف منحة الانتقال لفائدة الكهربائيين المنقولين، إلى جانب ما وصفته بأسلوب التهديد والترهيب في التعامل مع الموارد البشرية، والتسويف المستمر في الحوار مع الشريك الاجتماعي بخصوص الملفات العالقة.
مراسلات بلا جواب ومسؤولية مؤسساتية قائمة
وأكد المكتب النقابي أنه عقد عدة اجتماعات مع الإدارة العامة للشركة الجهوية ووجه مراسلات مباشرة إليها، كما راسل والي جهة بني ملال خنيفرة لعرض مختلف الإشكالات والبحث عن حلول عاجلة، غير أن كل هذه المبادرات لم تسفر عن نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، طالبت النقابة العامل مدير الشبكات العمومية المحلية بالتدخل العاجل لإنصاف كهربائيي الشركة الجهوية وفرض احترام الاتفاقية الإطار والقانون المؤطر للشركات الجهوية، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى احتقان اجتماعي يصعب التحكم في تداعياته داخل قطاع حيوي مرتبط مباشرة بخدمات الماء والكهرباء والتطهير.
نحو تصعيد نقابي محتمل
وأعلن المجلس النقابي الجهوي للجامعة الوطنية لعمال الطاقة استعداده لتسطير برنامج نضالي تصعيدي دفاعا عن الحقوق المهنية والكرامة الإنسانية للكهربائيين، داعيا كافة الأطر والمستخدمين إلى الالتفاف حول إطارهم النقابي والاستعداد لكل الأشكال النضالية المشروعة.
كما وجه المكتب النقابي نداء إلى جميع الكهربائيات والكهربائيين العاملين بالمكتب الوطني للكهرباء والشركة الجهوية بني ملال خنيفرة وCMSS للمشاركة في مسيرة فاتح ماي العمالية التي ستنظم هذه السنة بشكل جهوي بمدينة بني ملال.
في المحصلة، يكشف ملف كهربائيي جهة بني ملال خنيفرة أن ورش الشركات الجهوية متعددة الخدمات، الذي قدم باعتباره إصلاحا هيكليا لتجويد الخدمات العمومية، بدأ يتحول في بعض الجهات إلى مصدر توتر اجتماعي حاد، ليس بسبب فكرة الإصلاح نفسها، بل نتيجة غياب المواكبة المؤسساتية، وتخلي الإدارة الأصلية عن مسؤوليتها تجاه مستخدميها.
وعندما يشعر الموظف العمومي بأن المؤسسة التي خدمها لسنوات تركته وحيدا في مواجهة قرارات تمس استقراره المهني والاجتماعي، فإن الأمر يتجاوز مجرد خلاف إداري… ليصبح عنوانه الأوضح: الحكرة.


