سياسة

تزكية الاستقلال بسطات..ورطة بركة

لم تمر تزكية مرشح حزب الاستقلال بإقليم سطات للاستحقاقات التشريعية المزمع تنظيمها في 23 شتنبر المقبل مرور الكرام داخل بيت “الميزان”، بل فجّرت حالة غضب غير مسبوقة وسط مناضلي الحزب ومنتخبيه المحليين، الذين وجدوا أنفسهم أمام قرار تنظيمي أربك الحسابات السياسية وأعاد إلى الواجهة سؤال تدبير التزكيات داخل أحد أعرق الأحزاب الوطنية.

ووفق معطيات حصرية حصل عليها موقع “زون24”، فإن المفتش العام لحزب الاستقلال وضع الأمين العام نزار بركة في موقف حرج بعد الحسم في اسم المرشح دون مراعاة التوازنات التنظيمية بالإقليم، رغم أن بركة سبق أن قدّم وعداً شفهياً للعربي الشريعي، الذي اشتغل لسنوات على إعادة بناء هياكل الحزب بسطات، وأسهم في تأسيس فروع محلية وإعادة الروح التنظيمية التي فقدها الحزب خلال مراحل سابقة.

مصادر استقلالية أكدت أن الشريعي لم يكن مجرد اسم عابر داخل الحزب، بل أحد الوجوه التي تحملت عبء إعادة الانتشار التنظيمي، عبر تأطير المناضلين واستقطاب منتخبين جدد، في وقت كانت فيه سفينة الحزب بالإقليم تعيش حالة ركود سياسي واضحة. لذلك، اعتُبر تجاوز اسمه في آخر لحظة رسالة سلبية لمناضلين اعتبروا أن منطق الولاء والعمل الميداني لم يعد معياراً حاسماً في منح التزكيات.

الأكثر إثارة للجدل، حسب المعطيات ذاتها، أن التزكية ذهبت إلى شخص لا يتوفر على مستوى تعليمي يؤهله لخوض غمار المؤسسة التشريعية، وهو ما فجّر موجة انتقادات داخلية، حيث عبّر عدد من الاستقلاليين عن تخوفهم من انعكاس القرار على صورة الحزب أمام الناخبين، خصوصاً في إقليم يعرف منافسة سياسية قوية وحساسية انتخابية عالية.

الغضب لم يبق حبيس الكواليس، بل بدأ يتخذ شكل نقاشات حادة داخل اللقاءات التنظيمية والفضاءات الرقمية الخاصة بمناضلي الحزب، الذين رأوا في القرار “إهانة” للمجهودات التنظيمية التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة. بعضهم اعتبر أن ما وقع يعكس استمرار منطق “القرارات الفوقية” التي تتجاوز رأي القواعد المحلية، وهو ما قد يدفع إلى عزوف انتخابي داخلي أو إلى برود في التعبئة خلال الحملة المقبلة.

ويرى متتبعون أن ورطة القيادة الاستقلالية لا تكمن فقط في اختيار مرشح مثير للجدل، بل في الطريقة التي تم بها تدبير الملف، إذ كان بالإمكان احتواء الخلاف عبر حوار تنظيمي أو صيغة توافقية تحفظ ماء وجه الجميع، بدل قرار مفاجئ خلق شرخاً داخل التنظيم المحلي.

سياسياً، يجد نزار بركة نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على ضبط التوازن بين الأجهزة المركزية والقواعد المحلية. فالأمين العام الذي يراهن على إعادة بناء صورة الحزب وطنياً بعد سنوات من التراجع، يدرك أن الأقاليم تشكل العمود الفقري لأي استحقاق انتخابي، وأن أي ارتباك تنظيمي قد يتحول إلى خسارة سياسية مباشرة في صناديق الاقتراع.

المفارقة أن حزب الاستقلال، الذي ظل يقدم نفسه كحزب المؤسسات والكفاءات، يواجه اليوم انتقادات من داخل صفوفه بسبب معيار الكفاءة نفسه، وهو ما يطرح سؤالاً عريضاً حول فلسفة التزكيات: هل أصبحت رهينة توازنات داخلية ضيقة أم ما تزال مرتبطة بمنطق الاستحقاق السياسي والتنظيمي؟

في سطات، لم تعد القضية مجرد اسم مرشح، بل تحولت إلى نقاش حول مستقبل الحزب بالإقليم، ومدى احترام القيادة المركزية لتضحيات المناضلين المحليين. فالتزكية التي كان يفترض أن توحّد الصفوف قبل الانتخابات، تحولت إلى عامل انقسام مبكر يهدد بتفكيك دينامية تنظيمية بدأت تتشكل بصعوبة.

ومع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، يبدو أن قيادة الميزان مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة قراءة المشهد، لأن استمرار حالة الاحتقان قد يجعل من “تزكية سطات” عنواناً لأزمة أعمق داخل الحزب، أزمة قد تتحول من خلاف محلي إلى ورطة سياسية حقيقية للأمين العام نفسه.