برج محمد السادس..تفاصيل ما يوجد في كل طابق

لم يكن تدشين ولي العهد الأمير مولاي الحسن لـ برج محمد السادس مجرد لحظة بروتوكولية عابرة في أجندة الدولة، بل كان إعلاناً فعلياً عن دخول المغرب مرحلة عمرانية جديدة، عنوانها الجرأة المعمارية والرهان على رمزية الارتفاع نحو المستقبل. فالبرج الذي يطل على ضفتي أبي رقراق لا يمثل فقط أعلى بناية في المملكة، بل يعكس تصوراً كاملاً لكيف يجب أن تبدو العاصمة السياسية للمغرب في العقود المقبلة.
البرج، الذي يحمل اسم الملك محمد السادس، صُمّم كمدينة عمودية متكاملة، حيث لا يتشابه أي مستوى مع الآخر، بل تتدرج وظائفه من العمل والإدارة إلى الضيافة والرفاهية وصولاً إلى الفضاءات السيادية الخاصة.
في الطوابق الأولى، من الطابق الأول إلى الطابق الثالث عشر، اختير أن تكون نبض البرج الاقتصادي. هنا تنتشر المكاتب المهنية ومقار الشركات والمؤسسات المالية والاستشارية، في فضاءات زجاجية مفتوحة على مشهد بانورامي للرباط وسلا. هذه الطوابق ليست مجرد فضاءات عمل، بل رهان واضح لتحويل البرج إلى مركز أعمال إقليمي يجذب الاستثمارات الدولية ويضع العاصمة ضمن شبكة المدن المالية العالمية.
ابتداءً من الطابق الرابع عشر إلى غاية الطابق الثامن والعشرين، يتغير الإيقاع بالكامل، إذ يبدأ عالم الضيافة الفاخرة. هذه المستويات تحتضن الفندق الدولي الفخم الذي أُريد له أن ينافس أكبر فنادق العالم، حيث تمتزج الإقامة الراقية بالخدمات عالية المستوى، من الأجنحة المطلة على المحيط إلى قاعات الاستقبال والمؤتمرات المصممة لاستقبال كبار الشخصيات ورجال الأعمال والوفود الرسمية. هنا يتحول البرج من فضاء للعمل إلى تجربة إقامة عمودية فريدة، تجعل الزائر يعيش الرباط من الأعلى.
أما الطوابق الحادية والثلاثون والثانية والثلاثون والثالثة والثلاثون، فهي من أكثر الفضاءات إثارة داخل البرج، إذ خُصصت للمسابح ومناطق الاستجمام. مسابح معلّقة في السماء تقريباً، تمنح إحساساً نادراً بالتحرر من الأرض، وتؤكد أن المشروع لم يُبن فقط ليكون الأعلى، بل ليكون أيضاً الأكثر رفاهية وجرأة تصميمية في إفريقيا.
ومع الصعود أكثر نحو القمة، يدخل البرج مجالاً مختلفاً تماماً، حيث تتحول بعض الطوابق العليا، خصوصاً الطوابق السابعة والأربعين والثامنة والأربعين والتاسعة والأربعين، إلى فضاءات سيادية خاصة مرتبطة بالاستقبال الرسمي والأنشطة ذات الطابع الملكي. وجود هذه المستويات يعكس البعد الرمزي للمشروع باعتباره معلمة دولة، وليس مجرد استثمار عقاري أو فندقي.
وفي الطابق الخمسين وما فوق، تنفتح الطراسات العلوية على مشهد استثنائي؛ منصات مشاهدة تطل على الرباط وسلا والمحيط الأطلسي في لوحة بصرية نادرة. هناك، يصبح البرج أشبه بمنصة تأمل وطنية، حيث يلتقي الزائر بالمدينة من زاوية لم يعرفها المغاربة من قبل.
هكذا يتضح أن برج محمد السادس ليس مجرد بناية شاهقة، بل سردية عمودية متكاملة: اقتصاد في الأسفل، سياحة في الوسط، رفاهية في الأعلى، ورمزية دولة عند القمة. إنه مشروع يجمع بين القوة المعمارية والرسالة السياسية، ويؤكد أن المغرب لم يعد يكتفي بتشييد المدن أفقياً، بل بدأ يكتب طموحه نحو الأعلى، طابقاً بعد طابق.


