الحكم الذاتي..بين تعقيد الداخل واستحقاقات الجوار

ليس الحكم الذاتي مجرد هندسة إدارية لإعادة توزيع الاختصاصات بين المركز والجهة، بل هو اختبار عميق لمدى صلابة الدولة، ونضج نخبها، وقدرتها على إدارة التعدد داخل إطار الوحدة. فهو مشروع سياسي بامتياز، يتطلب وضوحًا دستوريًا، وانسجامًا مؤسساتيًا، وإرادة وطنية جامعة لا لبس فيها.
من زاوية الفرص، يمكن للحكم الذاتي أن يفتح آفاقًا واعدة أمام التنمية المحلية، ويُعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمنح الساكنة إحساسًا أعمق بالمشاركة في صنع القرار. إن تجارب مقارنة، مثل ما وقع في إيطاليا مع أقاليم ذات خصوصية كـجنوب تيرول، تُبرز كيف يمكن للحلول السياسية المرنة أن تتحول إلى رافعة للاستقرار حين تُصاغ ضمن تعاقد وطني واضح وتُحاط بضمانات دستورية دقيقة.
غير أن كل مشروع من هذا النوع يحمل في طياته مخاطر كامنة، وعلى رأسها إشكالية ازدواجية الشرعية. فحين لا تكون العلاقة بين السلطة المركزية والسلطة الجهوية محددة بصرامة قانونية، قد ينشأ تداخل في الاختصاصات، أو تضارب في المرجعيات، بما يفتح الباب أمام توترات مؤسساتية غير محسوبة العواقب. لذلك فإن الاحتياط من ازدواجية الشرعية ليس موقفًا محافظًا بقدر ما هو شرط لضمان استمرارية الدولة ووحدتها.
كما أن مسألة رفض أي آلية دولية أو رقابة خارجية للتدخل في تدبير الحكم الذاتي ترتبط بجوهر مفهوم السيادة. فالحلول السياسية المستدامة هي تلك التي تنبع من إرادة داخلية صلبة، لا من ترتيبات مفروضة أو خاضعة لوصاية ممتدة. إن جعل الحكم الذاتي شأنًا وطنيًا خالصًا، يخضع للدستور ولمؤسسات الرقابة الوطنية، يعزز الثقة ويجنب البلاد منزلقات التدويل المزمن للقضايا الداخلية.
غير أن نجاح أي صيغة للحكم الذاتي لا يتوقف فقط على ترتيبات الداخل، بل يتأثر أيضًا بمحيطه الإقليمي. وهنا يطرح سؤال محوري: هل يمكن لهذا المشروع أن يحقق كامل أهدافه في ظل استمرار التوتر بين المغرب والجزائر؟ الواقع السياسي يؤكد أن القطيعة بين الجارين ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف ملفات المنطقة، وأضعفت دينامية التعاون داخل اتحاد المغرب العربي.
إن استمرار الجمود لا يخدم سوى منطق الشكوك المتبادلة، بينما تدفع الشعوب — خاصة فئة الشباب — كلفة الفرص الضائعة. فغياب التكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي يحرم المنطقة من إمكانات استراتيجية هائلة كان يمكن أن تجعلها فضاءً مؤثرًا في محيطها الإفريقي والمتوسطي.
لذلك يبدو أن التفكير في تطبيع العلاقات بين الرباط والجزائر لم يعد خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية تمليها اعتبارات الأمن والتنمية والاستقرار. فالتقارب لا يعني إلغاء الخلافات، بل إدارتها ضمن قنوات مؤسساتية وحوار مباشر، بما يخفف التوتر ويمنح المشاريع الكبرى — وعلى رأسها الحكم الذاتي — فرصة للتحرر من مناخ الاستقطاب الإقليمي.
إن الحكم الذاتي، إذا أُريد له أن يكون حلًا تاريخيًا، يحتاج إلى ثلاثة شروط متلازمة: وضوح دستوري يمنع ازدواجية الشرعية، تحصين سيادي يرفض أي وصاية خارجية، وبيئة إقليمية أقل توترًا تتيح مناخًا من الثقة المتبادلة. بدون هذه الشروط، قد يتحول المشروع إلى عنوان جديد للتجاذب بدل أن يكون مدخلًا للاستقرار.
لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الخلاف إلى صناعة المستقبل. فالدول لا تُقاس بقدرتها على التشبث بالمواقف، بل بقدرتها على ابتكار حلول واقعية تخدم شعوبها. والحكم الذاتي، في نهاية المطاف، ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لبناء استقرار دائم، داخل دولة قوية، وفي محيط مغاربي متصالح مع ذاته.


