بلا قيود

دين سياسي وسياسة متدينة!

في كل مرة نحاول فيها فهم سبب الفجوة الهائلة بيننا و بين الأمم المتقدمة، نهرب غالباً نحو التفسيرات السهلة: المؤامرة، الاستعمار، الحظ، أو فساد الحكومات فقط. غير أنّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالأمم لا تتقدّم صدفة، بل تتقدّم حين تجعل العقل فوق العاطفة، و السؤال فوق التلقين، و التفكير العلمي فوق الشعارات. لهذا لم تبنِ الدول الحديثة حضارتها بالخطب الحماسية، بل بالمختبرات، و الجامعات، و حرية التفكير، و احترام المعرفة.

غير أنّ هذا المعطى اصطدم عندنا بواقع مختلف. فجزء كبير من مجتمعاتنا العربية ما يزال يعيش أزمة حقيقية مع التفكير العلمي. ليس لأنّ الإنسان العربي عاجز بطبيعته، بل لأنّه تربّى داخل بيئة جعلت “الاقتناع” أهم من “الفهم”، و جعلت “التصفيق” أهم من “النقاش”. منذ الصغر تعلّمنا كيف نحفظ، لا كيف نشكّ، كيف نردّد، لا كيف نسأل. هكذا نشأ جيل كان يخاف من السؤال أكثر مما يخاف من الجهل نفسه.

سابقاً في بلادنا، بدأ بعض الخطاب الديني يتحدث عن “فيزياء مسلمة”، وكأنّ قوانين الطبيعة يمكن أن تُعاد صياغتها حسب الانتماء الديني. بينما العلم في جوهره لا يقوم على الهوية، بل على التجربة و البرهان؛ فالجاذبية لا تتغيّر حسب المعتقد، و نتائج المختبر لا تسأل عن دين الباحث قبل أن تظهر. العلم يُبنى على الاختبار، لا على الشعار.

ومع ضعف هذا الحس النقدي، اتّسع المجال أمام خطابات تجاوزت حدودها الأصلية. فبعض رجال الدين لم يعودوا يكتفون بمجال الأخلاق و الروح و التوجيه، بل صاروا يقتحمون العلم و السياسة و الاقتصاد و التاريخ بثقة مطلقة. وقد وجد هذا الخطاب قبولاً واسعاً، لأنّ “المقدّس” كان يمنحه سلطة تتجاوز الحاجة إلى الدليل، وتجعله يبدو فوق النقاش.

ومع تعزّز هذه الوضعية، تغيّر شكل استقبال الأفكار. فبدل أن تُناقَش باعتبارها آراء قابلة للأخذ و الرد، تحولت إلى مواقف مرتبطة بدرجة القرب أو البعد من الدين نفسه. نتيجة لذلك ضاق مجال السؤال، وتراجع النقد، حتى أصبح الاختلاف في الرأي أقرب إلى تهديد للثوابت منه إلى نقاش فكري.

في السياق نفسه، استطاعت بعض الأحزاب السياسية أن تستثمر هذا التداخل، فبدل أن تُقدَّم باعتبارها مشاريع للتدبير و البرامج القابلة للنقد و المحاسبة، أصبحت عند بعضها امتداداً رمزياً و أخلاقياً للدين، مما جعل النقاش حول السياسات يتحوّل إلى نقاش حول الولاء و الانتماء. وهكذا اختلطت السياسة بالمقدّس، وتحوّل الاختيار السياسي عند كثيرين من قرار عقلاني إلى موقف عاطفي.

لا يخفى عنا أنه مع ضعف القراءة و الثقافة العلمية، أصبح أي خطاب قوي لغوياً أو عاطفياً قادراً على التأثير بسهولة. في هذا السياق، تحولت فكرة “المقدّس” إلى حصانة ضد النقد؛ فكل ما كان يُعتبر فوق النقاش كان يوقف اشتغال العقل، ويحوّل الدفاع عن الفكرة إلى دفاع عن الانتماء و الشعور بالانتصار، ولو على حساب الواقع.

ومن هذا الباب، وجد السياسيون مساحة أوسع للحركة. فبدل مخاطبة الناس بالأرقام و البرامج و الحلول الواقعية، لجؤوا إلى استثارة العاطفة و الرموز الدينية، لأنّ تأثيرها كان أسرع من إقناع العقل. وتداخل الخطاب السياسي مع الخطاب الوعظي، وذابت الحدود بين المجالين، حتى أصبح السياسي خطيباً أكثر منه مدبّراً.

ومع استمرار هذا التداخل، اختلطت الوظائف أكثر فأكثر. فلا السياسة بقيت سياسة تُقاس بالنتائج، ولا الخطاب الديني بقي موجهاً للإصلاح الأخلاقي. وفي هذا الفراغ، تراجع حضور العقل، وأصبحت الجماهير أكثر قابلية للتوجيه بالشعارات بدل الحجج.

إن المجتمع الذي يخاف من السؤال يفقد تدريجياً علاقته بالعلم، ثم بالحرية، ثم بالحقيقة نفسها. لذلك لا يمكن لأي نهضة حقيقية أن تبدأ دون إعادة الاعتبار للعقل، و للتفكير العلمي، و لحق الإنسان في الشكّ و البحث. فالأمم لا تنهض حين تعلو الأصوات، بل حين يتسع الوعي، وحين لا تختلط السياسة بالدين، ولا يتحول الدين إلى سياسة، فيذوب الفرق بين دين سياسي و سياسة متدينة.