بلا قيود

المعرض والهامش الثقافي

ليس المعرض الدولي للنشر والكتاب مجرد موعد سنوي لعرض الكتب وتوقيع الإصدارات الجديدة، بل هو مرآة دقيقة تكشف طبيعة علاقتنا بالثقافة، وحدود حضور المثقف داخل المجتمع، كما يكشف أيضاً عن المسافة الفاصلة بين المركز الثقافي والهامش الذي ما يزال ينتظر الاعتراف والإنصاف والحق في الوجود الرمزي.

فكلما فُتحت أبواب المعرض، عادت الأسئلة القديمة إلى الواجهة: من يملك حق الظهور الثقافي؟ من يُصنع له الضوء؟ ومن يبقى خارج الصورة رغم القيمة الفكرية والعلمية التي يحملها؟

إن المعرض، في جوهره، ليس فقط فضاءً للكتاب، بل فضاء لإنتاج التراتبية الثقافية أيضاً، حيث تتحول الثقافة أحياناً إلى مجال لإعادة توزيع النفوذ الرمزي أكثر مما تصبح مجالاً لإعادة توزيع المعرفة.

لقد أصبح واضحاً أن المشهد الثقافي العربي والمغربي تحديداً يعاني من مفارقة عميقة؛ فبينما تتوسع فضاءات العرض والندوات والتوقيعات، يتقلص حضور المثقف الحقيقي القادم من الهامش، سواء كان هامشاً جغرافياً أو اجتماعياً أو أكاديمياً.

فالعديد من الباحثين والمبدعين القادمين من المدن الصغيرة، أو الجامعات البعيدة عن المركز، أو الفاعلين الثقافيين غير المرتبطين بشبكات النفوذ، يجدون أنفسهم خارج دائرة الضوء، رغم أنهم يملكون مشاريع فكرية أكثر عمقاً من كثير من الأسماء التي تتكرر في كل موسم ثقافي.

الهامش الثقافي في المغرب ليس فقط فضاءً جغرافياً بعيداً عن الرباط أو الدار البيضاء، بل هو حالة رمزية أيضاً.

إنه ذلك المثقف الذي يكتب بصمت دون أن يمتلك آلة العلاقات العامة، وذلك الباحث الذي ينتج المعرفة دون أن ينتمي إلى “الصالونات الثقافية”، وذلك الكاتب الذي لا يجيد تسويق نفسه بقدر ما يجيد مساءلة الواقع وتحليل تناقضاته.

وفي كل دورة من دورات المعرض، نكتشف أن هناك نوعاً من “المركزية الثقافية” التي تتحكم في توزيع الشرعية الرمزية.

الأسماء نفسها، الوجوه نفسها، الخطابات نفسها، وحتى النقاشات نفسها تتكرر بشكل يجعل الثقافة أحياناً تبدو وكأنها دائرة مغلقة لا يدخلها إلا من يمتلك مفاتيح معينة.

أما الهامش، فيظل مدعواً فقط للحضور الصامت، أو للاستهلاك الثقافي، لا للمشاركة الفعلية في صناعة النقاش العمومي.

لكن أخطر ما في الأمر، أن هذا التهميش لا يمس الأشخاص فقط، بل يمس الأفكار نفسها.

فكم من مشروع فكري جاد مات في الظل؟

وكم من كتاب مهم لم يحظ بأي قراءة إعلامية لأنه لا يصدر عن “الأسماء اللامعة”؟

وكم من باحث شاب انسحب من المجال الثقافي لأنه أدرك أن الجودة وحدها لا تكفي في زمن العلاقات والشبكات والتموقعات؟

إن الثقافة حين تفقد بعدها العادل تتحول إلى سلطة رمزية مغلقة، وتصبح النخب الثقافية جزءاً من إعادة إنتاج الإقصاء بدل مقاومته.

وهنا يظهر التناقض الكبير: كيف يمكن للمعرض أن يتحدث عن الديمقراطية الثقافية، بينما ما يزال الهامش الثقافي يعاني من ضعف التمثيل والاعتراف؟

إن العدالة الثقافية لا تعني فقط دعم الكتاب أو تنظيم المعارض، بل تعني إعادة توزيع الفرص الرمزية بشكل منصف.

تعني أن يجد الباحث القادم من مدينة صغيرة المساحة نفسها التي يجدها الكاتب القادم من المركز.

وتعني أن يصبح معيار القيمة هو جودة الفكرة لا قوة العلاقات.

كما تعني أيضاً أن تتحول الثقافة إلى أداة للإنصاف المجالي، لا إلى امتداد جديد للفوارق الاجتماعية والمجالية.

لقد كشفت التحولات الرقمية اليوم عن حقيقة مهمة؛ وهي أن الهامش لم يعد صامتاً كما كان في السابق.

فوسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية، والنشر الإلكتروني، كلها سمحت لأصوات جديدة بأن تظهر خارج المؤسسات التقليدية.

لكن رغم ذلك، ما تزال الشرعية الثقافية الرسمية تُمنح غالباً داخل الفضاءات التقليدية نفسها، وكأن الاعتراف الحقيقي لا يكتمل إلا إذا مر عبر المركز.

إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: كم عدد الزوار الذين حضروا إلى المعرض؟

بل: أي ثقافة نريد؟

هل نريد ثقافة احتفالية موسمية تنتهي بانتهاء أروقة المعرض؟

أم نريد ثقافة نقدية حية قادرة على مساءلة السلطة والمجتمع والنخب؟

هل نريد معرضاً للصور والبهرجة الإعلامية؟

أم فضاءً حقيقياً لإنتاج الفكر والنقاش والمعرفة؟

الثقافة لا تُقاس بعدد حفلات التوقيع، بل بقدرتها على خلق الوعي.

ولا تُقاس بعدد الكتب المعروضة، بل بعدد الأسئلة التي تثيرها داخل المجتمع.

فالمجتمعات التي تتقدم ليست هي التي تستهلك الثقافة بشكل احتفالي فقط، بل التي تجعل من الثقافة قوة اقتراح ونقد وتغيير.

إن الهامش الثقافي اليوم لا يطلب الشفقة، بل يطالب بالاعتراف.

يطالب بأن تُفتح أبواب المؤسسات الثقافية أمام الكفاءات الحقيقية، وأن يتم تجاوز منطق “الأسماء الجاهزة” نحو منطق الفكر المنتج.

كما يطالب بإعادة الاعتبار للجامعة المغربية، وللباحثين الشباب، وللمبادرات الثقافية المحلية التي تشتغل بإمكانات بسيطة لكنها تنتج أثراً عميقاً.

وفي النهاية، يبقى المعرض لحظة ضرورية ومهمة في الحياة الثقافية المغربية، لكنه سيظل ناقصاً ما لم يتحول إلى فضاء للعدالة الثقافية أيضاً.

لأن الثقافة التي لا تسمع صوت الهامش، تتحول تدريجياً إلى ثقافة معزولة عن المجتمع.

أما الثقافة الحقيقية، فهي تلك التي تمنح الكلمة لمن لا يملكون المنابر، وتفتح الضوء أمام الذين ظلوا طويلاً خارج الصورة.