هدم مخيم طماريس..حين تصبح سيادة القانون شرطاً للاستثمار لا خصماً له

ليس النقاش الحقيقي حول هدم مخيم طماريس/الحجرة الكحلة بدار بوعزة نقاشاً اجتماعياً محضاً، ولا صراعاً مبسطاً بين “سلطة” و“ساكنة” كما يروّج له أحياناً في الخطاب العاطفي. جوهر الملف أعمق من ذلك بكثير، لأنه يمس سؤالاً مركزياً في بناء الدولة الحديثة: هل نريد ساحلاً يُدار بمنطق الأمر الواقع والريع، أم مجالاً حضرياً محكوماً بسيادة القانون، مفتوحاً للاستثمار المنظم والعادل؟
من هذه الزاوية بالذات، يتجاوز قرار الهدم بعده العمراني أو الآني، ليصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الحسم بين منطق الفوضى ومنطق القاعدة القانونية.
العشوائية هنا ليست مجرد بنايات أو “كرافانات” متناثرة على شريط ساحلي، بل منظومة اقتصادية واجتماعية كاملة. فعلى الأرض، أنتج هذا الوضع اقتصاد ظلّ متشابكاً: كراء غير قانوني للملك العام، تحويل موقع استراتيجي إلى مصدر مداخيل خارج الضريبة والقانون، مضاربة عقارية مقنّعة بانتظار “تسوية” أو “تعويض”، وأنشطة موازية تُضعف الأمن وتشوّه صورة المنطقة. الأخطر من ذلك هو الابتزاز الرمزي للدولة عبر خطاب المظلومية: “إما أن تُقنّنوا وضعيتنا أو نعلن أنفسنا ضحايا”.
بهذا المعنى، لم يكن المخيم مجرد تجمع عشوائي، بل نموذجاً مصغراً لـ“دولة داخل الدولة”، لا تُحكم بالقانون بل بمنطق النفوذ والاعتياد وفرض الأمر الواقع، بما يجعل تفكيكه لاحقاً مكلفاً سياسياً ومؤسساتياً.
أحد أكثر المفاهيم التباساً في هذا النقاش هو الحديث عن “حقوق مكتسبة”. فالخلط بين الحق والاعتياد يغذي دعاوى التعويض ويُربك الرأي العام. الحق، قانونياً ومؤسساتياً، لا ينشأ إلا من سند مشروع: ترخيص ساري المفعول، عقد قانوني صحيح، أو ملكية ثابتة. أما الاعتياد، أي سنوات من الاستغلال دون سند، فلا يصنع حقاً، بل يؤجل المشكلة فقط.
الخطورة هنا ليست نظرية. لأن أي تساهل مع هذا الخلط يخلق سابقة قاتلة للاستثمار. فالمستثمر الذي يحترم القانون سيسأل ببساطة: إذا كان من يحتل بلا سند يفاوض الدولة على التعويض، فما قيمة الامتثال للقانون؟ عند هذه النقطة بالذات، يتبيّن أن الحسم ليس قسوة، بل حماية لمنطق الدولة ولمبدأ تكافؤ الفرص.
منطق التعويض، في السياقات الطبيعية، يفترض أن الدولة نزعت حقاً مشروعاً أو ألغت وضعاً قانونياً ثابتاً. غير أن معطيات ملف طماريس ترسم صورة مغايرة تماماً: ترخيص احتلال مؤقت انتهت صلاحيته منذ سنة 1988 دون تجديد، تحوّل “كرافانات” إلى بنايات قارة دون أي سند قانوني، أحكام قضائية نهائية تؤكد عدم قانونية الاستغلال، إضافة إلى مخاطر ميدانية حقيقية مرتبطة بالانجراف وعلو مستوى البحر.
نحن، إذن، لا نتحدث عن نزع ملكية، بل عن إزالة تعدٍّ صريح واسترجاع للملك العام. وأي دولة تعوّض عن تعدٍّ ثابت ترسل رسالة واحدة لا غير: احتل اليوم… وتفاوض غداً. وهي وصفة مضمونة لتوسيع العشوائية بدل محاصرتها.
الاستثمار، خصوصاً في المجال الساحلي، لا يعيش في المناطق الرمادية. هو لا يتعلق فقط بمشاريع كورنيش أو تهيئة جمالية، بل بمنظومة متكاملة تتطلب وضوحاً عقارياً، استقراراً قانونياً، قابلية للتوقع، ومنافسة شفافة وعادلة. وجود تجمع غير قانوني فوق أرض استراتيجية يجعل أي مشروع رهين مفاوضات لا تنتهي، ونزاعات قضائية متكررة، وضغط رأي عام متقلب، وتكاليف مخاطر مرتفعة. النتيجة تكون حلقة مفرغة: لا استثمار قوي لأن العقار ملتبس، ولا تسوية حقيقية لأن الفوضى تُنتج نفوذاً.
من هنا، تصبح سيادة القانون شرطاً مسبقاً للاستثمار، لا عائقاً أمامه.
قيمة قرار الهدم لا تكمن في فعل الإزالة ذاته، بل في الرسالة السياسية والمؤسساتية التي يحملها: الملك العام غير قابل للتملك بالمراوحة، الساحل ليس غنيمة قابلة للاحتكار، الأحكام القضائية ليست موضوعاً للتأويل السياسي، والأمن والتهيئة والبيئة عناصر من النظام العام لا كماليات.
غير أن هذه الرسالة لا تكتمل إلا بشرطين أساسيين: أولاً، شفافية ما بعد الهدم، أي توضيح ما الذي سيُنجز في الموقع، متى، وبأي معايير. وثانياً، إغلاق باب الريع نهائياً عبر آليات مراقبة صارمة، وزجر فعلي، ومخطط تهيئة واضح يمنع عودة العشوائية بأشكال جديدة.
الحديث عن سيادة القانون لا يعني إلغاء البعد الإنساني. لكن العدالة الاجتماعية لا تُبنى خارج القانون ولا عبر مكافأة المخالفة. الإنصاف الحقيقي يمر عبر التمييز بين الحالات الاجتماعية الهشة فعلاً وبين حالات المضاربة والكراء غير المشروع، وتوفير حلول انتقالية عقلانية حيث يلزم، مع حماية حق الجميع في الولوج إلى الساحل باعتباره ملكاً عاماً.
العدالة الاجتماعية المبنية على “التعويض عن التعدّي” تتحول سريعاً إلى سوق للمظلومية، بينما العدالة المؤطرة بالقانون تُنتج توازناً ضرورياً: حماية الإنسان، حماية الملك العام، وحماية الاستثمار.
في الخلاصة، هدم مخيم طماريس ليس تفصيلاً عمرانياً عابراً، بل اختبار صريح للدولة: إما دولة تُحكمها القاعدة القانونية في الساحل كما في غيره، أو دولة تفاوض الأمر الواقع وتراكم الرمادي. والاستثمار، في نهاية المطاف، لا يضع أمواله في الرمادي، بل في دولة تحسم، تُخطط، وتضمن تكافؤ الفرص.


