معرض الكتاب..خذلان المثقف!

ليس من الصعب أن تلتقط ملامح الخذلان في وجوه الزوار وهم يغادرون أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب. أكياس خفيفة، خطوات بطيئة، ونقاشات جانبية تختصر كل شيء: «الكتب غالية». جملة بسيطة، لكنها تُخفي وراءها طبقات من الإحباط، وربما شيئاً من سوء الفهم أيضاً.
في المخيال الجماعي، المعرض هو لحظة استثنائية: عيد ثقافي، فرصة لاقتناء الكتب بثمن مناسب، وموعد سنوي للمصالحة مع القراءة. لكن الواقع أقل شاعرية. الأسعار في كثير من الأروقة لا تختلف كثيراً عن المكتبات، بل أحياناً تتجاوزها. هنا يبدأ التناقض بين ما ننتظره وما نجده، بين صورة مثالية للثقافة وسوق تحكمه حسابات دقيقة.
لنكن واضحين: الكتاب لم يصبح غالياً فجأة بدافع الجشع. هناك أسباب مركبة تتداخل فيها كلفة الطباعة، وحقوق الترجمة، وضعف الدعم، وهشاشة سوق القراءة. الناشر لا يبيع كثيراً، فيرفع السعر ليعوض. والقارئ، حين يرى السعر مرتفعاً، ينسحب. وهكذا ندور في حلقة مفرغة: قلة القراءة ترفع الثمن، وارتفاع الثمن يقلص القراءة.
ولا يحتاج الأمر إلى كثير بحث خارج أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب كي نلمس هذا التذمر. يكفي أن نلقي نظرة سريعة على مجموعات “فيسبوك” المهتمة بالقراءة. منشورات تتكرر بالصيغة نفسها: ما دور النشر التي تقدم تخفيضات؟ أين يمكن العثور على كتب بأسعار مناسبة؟ هل توجد أروقة بأسعار منخفضة؟ زوار لم تطأ أقدامهم المعرض بعد، لكنهم دخلوا إليه مسبقاً بمنطق واحد: البحث عن “أفضل صفقة”. كأن الكتاب فقد معناه الرمزي، واختُزل في كونه سلعة تُقارن أسعارها، لا فكرة تُقاس قيمتها.
لكن اختزال كل شيء في «غلاء الأسعار» يجعلنا نتساءل: هل المشكلة في الكتاب أم في موقعه داخل حياتنا؟
لو استحضرنا روح سقراط، لوجدناه يسألنا بسخرية هادئة: هل نبحث عن المعرفة أم عن وهم المعرفة؟ لم يكن سقراط يبيع كتباً، بل كان يزعج الناس بأسئلته. وربما لو حضر المعرض، لما انشغل بالأثمنة، بل بطريقة تفكيرنا نفسها: لماذا نريد الكتاب رخيصاً؟ هل لأننا نراه ضرورة أم لأننا لا نراه كذلك؟
أما فريدريك نيتشه، فربما سيذهب أبعد. سيعتبر أن علاقتنا بالكتاب تعكس ضعف الإرادة المعرفية، وأن الإنسان لا يطلب الحقيقة إلا إذا كان مستعداً لدفع ثمنها—ليس فقط مالياً، بل نفسياً أيضاً. القراءة، في نظره، ليست ترفاً هادئاً، بل مواجهة قاسية مع الذات. ومن لا يحتمل هذه المواجهة، سيبحث دائماً عن أعذار… وأبسطها: «الكتاب غالٍ».
المعرض، في جوهره، ليس مجرد فضاء للبيع والشراء، بل مرآة تكشف علاقتنا الحقيقية بالمعرفة. وحين ننظر جيداً، قد لا يعجبنا ما نراه. لأن الخذلان الذي نشعر به هناك ليس فقط بسبب الأسعار، بل لأنه يضعنا أمام حقيقة غير مريحة: نحن نريد ثقافة في المتناول، لكننا لم نحسم بعد إن كنا مستعدين لدفع ثمنها، مادياً ورمزياً.
ربما لا يكمن الحل فقط في تخفيض الأسعار، رغم أهميته، بل في إعادة ترتيب الأولويات: دعم حقيقي للنشر، سياسات تشجع القراءة، وقبل ذلك وعي فردي يجعل من الكتاب حاجة يومية لا رفاهية موسمية. لأن المعرفة، في نهاية المطاف، ليست شيئاً نستهلكه، بل شيئاً نتحول به.
إلى ذلك الحين، سيظل الزائر يغادر بأكياس خفيفة، لكنه يحمل سؤالاً مثيراً: هل الكتب غالية فعلاً، أم أن علاقتنا بها هي الرخيصة؟


