وجهات نظر

حين خرج الاستاذ الجامعي للشارع بدعوة من وزير العدل

الاستاذ محمد كفيل الامين العام لحزب النهضة والفضيلة

وأنا أتابع مشهد أساتذة الجامعة وهم يحتجون أمام البرلمان ويرددون شعار “صامدون، صامدون”، استوقفني المشهد طويلًا. لا لأن الاحتجاج في ذاته أمر مستغرب في الحياة العامة، بل لأن صورة الأستاذ الجامعي، في الوعي المجتمعي، ظلت دائمًا مرتبطة بمقام مختلف؛ مقام الفكر، والتحليل، والدرس، والإقناع الهادئ الذي لا يحتاج إلى صخب الشارع حتى يبلغ أثره.

الأستاذ الجامعي، خصوصًا في حقل القانون، ليس مجرد موظف عمومي يطالب بحق مهني فحسب. إنه في الأصل صانع للمعرفة القانونية، وشارح للنصوص، ومفسر للمقتضيات، ومحلل للتحولات التشريعية والقضائية. مكانه الطبيعي، قبل أي شيء، هو مدرج الجامعة، ومختبر البحث، وصفحات التأليف، وفضاءات النقاش العلمي الرصين.

ومن هنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: حين يخرج الأستاذ الجامعي القانوني إلى الشارع، لمن تُترك قاعات الدرس؟ من يؤطر الطلبة الباحثين؟ من يشرف على الرسائل والأطروحات؟ ومن يواصل شرح القانون وصناعة الفقه الذي يُفترض أن تسترشد به المحاكم نفسها؟

غير أن جوهر الأزمة لا ينبغي أن يُختزل في مجرد مشهد احتجاجي. فالأزمة الحقيقية أعمق من ذلك، لأنها تكشف عن خلل في طريقة النظر إلى العلاقة بين الأستاذ الجامعي والمحامي. لقد بدا في بعض الخطابات وكأن الطرفين يقفان في موقع تنازع، وكأن دخول أحدهما إلى مجال الآخر يمثل تهديدًا أو انتقاصًا أو مزاحمة غير مشروعة.

والحال أن هذا التصور، في تقديري، يخطئ فهم طبيعة المهنة القانونية نفسها.

فالمسافة بين المحامي والأستاذ الجامعي لا ينبغي أن تكون مسافة خصومة، بل مسافة تكامل. الأستاذ الجامعي القانوني حين يلج مهنة المحاماة لا يغادر القانون، بل ينتقل من فضاء التنظير إلى فضاء الممارسة. والمحامي الحاصل على الدكتوراه حين يلج التدريس لا يقتحم مجالًا غريبًا عنه، بل ينقل إلى الجامعة خبرة تطبيقية ثمينة يحتاجها الطلبة.

إن الطالب في كلية الحقوق لا يحتاج فقط إلى من يشرح له النصوص، بل يحتاج أيضًا إلى من يبين له كيف تتحول تلك النصوص إلى دفوع، ومرافعات، واجتهادات، وأحكام. ومن هنا تصبح الخبرة التطبيقية التي يحملها المحامي إلى الجامعة قيمة مضافة، كما يصبح العمق النظري الذي يحمله الأستاذ إلى المحاماة رصيدًا يرفع من جودة الدفاع ومنسوب الحجاج القانوني أمام القضاء.

لهذا فإن النقاش، في جوهره، لا ينبغي أن يُدار بمنطق: من يدخل؟ ومن يُمنع؟ ومن يحتكر؟ لأن هذا منطق ضيق لا يليق برسالة القانون ولا برسالة الجامعة ولا برسالة الدفاع.

النقاش الحقيقي يجب أن يكون أوسع وأعمق: كيف نبني جسورًا بين الجامعة والمهنة؟ كيف نجعل المعرفة الأكاديمية أكثر التصاقًا بحاجات العدالة؟ وكيف نجعل الممارسة المهنية أكثر اتصالًا بالإنتاج العلمي الرصين؟

إن الوطن لا يحتاج إلى معارك حدود بين أهل القانون، بل يحتاج إلى تكامل بينهم. يحتاج إلى أستاذ جامعي يظل وفيًا لرسالته العلمية، وإلى محامٍ يظل وفيًا لرسالته المهنية، وإلى أبواب مفتوحة تسمح بتبادل الخبرة والمعرفة بما يخدم الطلبة والباحثين والمتقاضين ومؤسسات العدالة جميعًا.

أما أن تتحول المسألة إلى حالة استقطاب بين المحامين والأساتذة الجامعيين، فذلك لا يربح فيه أحد. لا الجامعة تنتصر، ولا المهنة تكسب، ولا الوطن يستفيد.

ولعل اللحظة الحالية تفرض قدرًا أكبر من الحكمة. فالقانون الذي يدرسه الأستاذ، ويدافع به المحامي، ليس ميدانًا للصراع بين أهله، بل هو في الأصل أداة لتنظيم المجتمع، وتحقيق الإنصاف، وبناء الثقة في المؤسسات.

ومن المؤسف حقًا أن ينشغل أهل القانون بتدبير الخلاف بينهم، بدل أن ينصرفوا إلى ما ينتظره منهم المجتمع: مزيد من الفكر، ومزيد من التأطير، ومزيد من الإسهام في إصلاح العدالة وتطوير التشريع.

فالقضية، في النهاية، ليست: من يَدخل؟

بل الأجدر أن يكون السؤال: كيف نتعاون جميعًا من أجل مصلحة هذا الوطن؟