مجتمع

شركة التازي تعمم بلاغاً فارغاً..بيع الوهم واستمرار سرقة جيوب البيضاويين

مرة أخرى، اختارت الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات الهروب إلى الأمام بدل مواجهة الأسئلة الحقيقية التي طرحها الرأي العام، بعدما كشف موقع “زون24” معطيات دقيقة حول اختلالات مالية وتدبيرية تُثقل كاهل ساكنة العاصمة الاقتصادية. الرد لم يكن توضيحاً ولا جواباً مؤسساتياً مسؤولاً، بل بلاغاً باهتاً صيغ بعقلية دفاعية، أقرب إلى تمرين في العلاقات العامة الفاشلة منه إلى ممارسة تواصل عمومي يحترم ذكاء المواطنين.

فريق التواصل، الذي تقوده سيدة أثبتت الأيام محدودية كفاءتها في تدبير الأزمات، لم يجرؤ على نفي جوهر ما نُشر. لم ينفِ الأرقام، ولم يشرح أسباب الفواتير المرتفعة، ولم يقدم للرأي العام تفسيراً حول الطريقة التي تحولت بها خدمات الماء والكهرباء والتطهير إلى آلة لا ترحم لاقتطاع ما تبقى في جيوب البيضاويين. بدل ذلك، اختار البلاغ لغة إنشائية مفرغة من المعنى، تتحدث عن “تحسين الخدمات” و”تقريب الإدارة من المواطنين”، بينما الواقع يقول شيئاً آخر تماماً.

البلاغ لم يناقش السؤال المركزي: لماذا أصبحت الفواتير ملتهبة بهذا الشكل؟ ولماذا يشعر المواطن البيضاوي أن كل شهر يحمل مفاجأة مالية جديدة؟ الصمت هنا ليس صدفة، بل اختيار واعٍ لتجنب النقاش الحقيقي. فالاعتراف بالأسباب يعني فتح ملفات التدبير المالي، والصفقات، وتكاليف التسيير، وربما أيضاً مساءلة من يقف وراء القرارات التي جعلت الخدمة العمومية تتحول إلى عبء اجتماعي ثقيل.

الأخطر أن البلاغ حاول تسويق ما يشبه “الإنجاز” عبر الحديث عن توسيع عدد الوكالات الخاصة لأداء الفواتير. وكأن المشكل هو صعوبة الأداء وليس ارتفاع الفاتورة نفسها. منطق غريب: بدل تخفيف الكلفة عن المواطن، يتم تسهيل عملية اقتطاع أمواله. إنها فلسفة جديدة في التواصل العمومي: لا نسأل لماذا يدفع المواطن كثيراً، بل نساعده فقط على الدفع بسرعة أكبر.

هذا النوع من البلاغات يعكس أزمة أعمق داخل الشركة. أزمة فهم لدور المرفق العمومي. فالشركات الجهوية متعددة الخدمات لم تُحدث لتحويل المواطنين إلى زبناء مُنهكين، بل لضمان جودة الخدمة وعدالة التسعيرة والشفافية في التدبير. غير أن ما يحدث اليوم يوحي بأن الأولوية لم تعد الخدمة، بل المداخيل، ولو كان الثمن استنزاف القدرة الشرائية لساكنة مدينة تعيش أصلاً ضغط الغلاء وتكاليف المعيشة المرتفعة.

التواصل المؤسساتي الحقيقي لا يقوم على توزيع البلاغات، بل على الاعتراف بالمشاكل وتقديم أجوبة دقيقة مدعومة بالأرقام. أما البلاغ الأخير فلم يكن سوى محاولة لربح الوقت، وامتصاص الغضب، وإغراق النقاش في تفاصيل ثانوية. المواطن لا يريد عدداً أكبر من شبابيك الأداء، بل يريد فاتورة عادلة، وخدمة محترمة، وإدارة تحترم ذكاءه.

ما يثير الاستغراب أكثر هو أن الشركة لم تدرك بعد أن زمن البلاغات الفارغة انتهى. اليوم، المعلومة تصل بسرعة، والمعطيات تُفحص، والرأي العام أصبح أكثر حساسية تجاه أي خطاب إنشائي لا يلامس الواقع. كل بلاغ لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية يتحول تلقائياً إلى دليل إضافي على وجود أزمة حقيقية يُراد إخفاؤها.

البيضاويون لا يحتاجون دروساً في كيفية الأداء، بل يحتاجون توضيحاً حول أين تذهب أموالهم، وكيف تُحتسب فواتيرهم، ولماذا تتصاعد التكاليف دون تحسن ملموس في الخدمة. وعندما تعجز مؤسسة عمومية عن الإجابة، فإنها تفتح الباب أمام فقدان الثقة، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب أي مرفق عمومي.

النتيجة واضحة: بلاغ بلا مضمون، لغة بلا جرأة، وتواصل بلا مصداقية. أما الواقع فباقٍ كما هو؛ فواتير مرتفعة، غضب متزايد، وشعور عام بأن جيوب البيضاويين ما زالت الهدف الأسهل. وبين بيع الوهم واستمرار “مص الدماء”، يظل السؤال معلقاً: من يحاسب من؟ ومن يوقف هذا النزيف الصامت الذي يؤدي ثمنه المواطن وحده؟