إقتصاد

مقاولات على حافة الانهيار بسبب عشوائية التازي

لم يعد تأخر الأداء داخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء–سطات مجرد خلل إداري عابر، بل تحول إلى أزمة حقيقية تحمل كل ملامح “فضيحة تدبيرية”، تهدد استمرارية عشرات المقاولات، وتطرح علامات استفهام حادة حول كيفية تدبير المال العام ومن يتحمل مسؤولية هذا الوضع.

تشير المعطيات المتوفرة إلى أن مستحقات عدد من المقاولات ظلت عالقة لأكثر من سنة، في خرق صريح للمقتضيات القانونية التي تحدد آجال الأداء في 60 يوماً. وفي الوقت الذي تكافح فيه هذه المقاولات لتأمين أجور المستخدمين وتسديد الضرائب والالتزامات الاجتماعية، تُفاجأ بإجراءات “ترقيعية” لا ترقى إلى مستوى الأزمة، من قبيل توزيع مبالغ محدودة لا تتجاوز 5% من مجموع الديون المتراكمة على بعض مقدمي الخدمات.

هذه الخطوة، التي وُصفت من طرف مهنيين بأنها “ذر للرماد في العيون”، زادت من حالة الاحتقان، وعمّقت الإحساس بغياب إرادة حقيقية لحل الأزمة. فكيف يمكن الحديث عن تسوية متأخرات بملايين الدراهم عبر مبالغ هزيلة لا تغطي حتى الحد الأدنى من الالتزامات؟

الأخطر من ذلك أن هذا التأخر لم يمر دون كلفة على المؤسسة نفسها، إذ تشير المعطيات إلى أداء غرامات مالية بالملايير بسبب تجاوز آجال الأداء القانونية، وهو ما يعكس خللاً عميقاً في التدبير المالي. فبدل توجيه هذه الأموال لتسوية مستحقات المقاولات، يتم استنزافها في غرامات كان بالإمكان تفاديها، وهو ما يطرح سؤالاً حاداً: من المسؤول عن هذا النزيف المالي؟

ورغم وجود مديرية إدارية ومالية، إلى جانب مصلحة للمراقبة الدائمة، فإن بلوغ هذا المستوى من التأخر يطرح تساؤلات جدية حول فعالية هذه الأجهزة، بل وحول طبيعة القرارات التي تُتخذ داخل المؤسسة. وتزداد الصورة قتامة مع ما تتداوله مصادر متطابقة بشأن وجود توترات داخلية، حيث دخلت المديرة السابقة للمديرية الإدارية والمالية في صراع مع المدير العام، انتهى بإقالتها قبل أن تتقدم لاحقاً باستقالتها، وهو ما يعكس مناخاً إدارياً مضطرباً قد يفسر، جزئياً، حالة الارتباك في تدبير الملفات الحساسة، وعلى رأسها ملفات الأداءات.

في المقابل، تستمر المقاولات في أداء خدمات حيوية بشكل يومي، وكأنها تموّل المرفق العمومي من مواردها الخاصة، في غياب أي ضمانات واضحة أو رؤية زمنية محددة لتسوية مستحقاتها.

أمام هذا الوضع، لم يعد الصمت خياراً. فاستمرار هذه الممارسات يهدد بانهيار نسيج كامل من المقاولات الصغرى والمتوسطة، ويعرض مئات مناصب الشغل للخطر، في وقت يُفترض فيه دعم هذا النسيج الاقتصادي لا خنقه.

إن ما يجري اليوم يستدعي تدخلاً عاجلاً وحازماً من الجهات الرقابية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، من أجل فتح تحقيق شفاف في هذه الاختلالات، وتحديد المسؤوليات بدقة، وربطها بالمحاسبة. فالمال العام ليس مجالاً للتجريب أو التسيير المرتجل، بل أمانة تقتضي الحكامة والشفافية.

و يبقى الرهان الأساسي هو استعادة الثقة: ثقة المقاولات في شركائها، وثقة المواطن في مؤسساته. وهي ثقة لا يمكن بناؤها إلا عبر الشفافية، واحترام الالتزامات، واتخاذ قرارات جريئة تعيد التوازن إلى منظومة الأداء، وتضع حداً لهذا النزيف المالي المتواصل.