عيوش لا يلعن الشيطان

في الحياة العامة، قد يقع الخطأ مرة أو مرتين، وقد يتعثر أي فاعل ثقافي أو إعلامي في تجربة هنا أو هناك. لكن حين يتحول الخطأ إلى قاعدة، ويصبح الجدل رفيق كل عمل جديد، فإن الأمر لم يعد مجرد زلة عابرة، بل سؤالاً مشروعاً حول طريقة الاشتغال ومنطق الاستفادة من الفضاء العمومي. في هذه الحالة بالضبط، يتبادر إلى الذهن المثل المغربي البليغ: “عيوش لا يلعن الشيطان”.
ليس الحديث هنا عن شخص بعينه بقدر ما هو عن ظاهرة داخل منظومة الإنتاج السمعي البصري في المغرب، حيث تحولت بعض الشركات إلى فاعل شبه دائم في برمجة القنوات العمومية، بينما يظل عشرات المنتجين الشباب خارج اللعبة، ينتظرون فرصة قد لا تأتي.
لقد بصم المنتج والمخرج المغربي نبيل عيوش، مدير شركة عليان للإنتاج، على حضور قوي داخل المشهد التلفزيوني المغربي لسنوات طويلة. حضورٌ لم يكن دائماً مصحوباً بالإجماع أو الرضا، بل كثيراً ما ارتبط بسلسلة من الجدل والنقاش العمومي حول مضمون الأعمال المعروضة على القنوات العمومية، خصوصاً خلال شهر رمضان الذي يفترض أن يكون موعداً تلفزيونياً للأسرة المغربية.
ففي السنوات الأخيرة، تفجرت أكثر من قضية مرتبطة بأعمال أنتجتها شركته. فقد أثارت لقطات من مسلسل بنات لالة منانة في جزئه الثالث، الذي عُرض على القناة الثانية، موجة من الانتقادات بسبب ما اعتبره متابعون مشاهد وإيحاءات لا تنسجم مع طبيعة البث الرمضاني. ولم يكن الجدل أقل حدة مع مسلسل عش الطمع الذي بثته القناة الأولى، حيث أثار العمل نقاشاً واسعاً حول طريقة معالجة قضايا حساسة مثل الاتجار بالبشر والرضع، وما إذا كانت بعض الأعمال الدرامية صارت تراهن على الصدمة أكثر مما تراهن على الجودة.
لكن هذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها عيوش الجدل. فقبل سنوات، انفجرت قضية برنامج قصص إنسانية، حين اتهم أحد المشاركين في حلقة حول “زواج الوقت” فريق البرنامج بمنحه مبلغاً مالياً مقابل تمثيل قصة مفبركة، وهو ما فتح آنذاك نقاشاً واسعاً حول أخلاقيات البرامج الوثائقية وحدود المصداقية في الإنتاج التلفزيوني.
وقبل كل ذلك، كانت العاصفة الكبرى التي أثارها فيلم الزين اللي فيك، الذي تحول إلى واحدة من أكثر القضايا الثقافية إثارة للجدل في المغرب بعد منعه من العرض بسبب ما اعتبره كثيرون تصويراً صادماً ومسيئاً لصورة المجتمع المغربي. يومها انقسم الرأي العام بين من اعتبر العمل حرية فنية ومن رأى فيه تجاوزاً للقيم الاجتماعية.
لكن المسألة لا تقف عند حدود الجدل الفني أو الأخلاقي. فالأخطر من ذلك هو ما بدأ يطفو إلى السطح من تساؤلات حول طريقة تدبير الصفقات العمومية في قطاع الإنتاج التلفزيوني. فشركة “عليان للإنتاج” أصبحت، في نظر عدد من الفاعلين في القطاع، حاضرة بشكل شبه دائم في شبكتي القناتين الأولى والثانية، وهو حضور يثير شبهة الاحتكار غير المعلن لسوق الإنتاج التلفزيوني العمومي.
هذا الوضع يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه جوهري: كيف يمكن الحديث عن تشجيع المنافسة والإبداع، بينما تظل نفس الأسماء تتكرر في البرمجة التلفزيونية سنة بعد أخرى؟ وأين هي فرص المنتجين الشباب الذين يشتكون من إغلاق الأبواب في وجوههم، في وقت يبدو فيه أن الطريق معبَّد أمام شركات بعينها؟
ثم هناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بمشاريع إنتاجية أُعلن عنها في وقت سابق ولم ترَ النور إلى اليوم، أو ما تزال متوقفة دون توضيحات كافية للرأي العام، رغم أنها كانت جزءاً من التزامات إنتاجية مرتبطة ببرمجة القنوات العمومية. وهو ما يطرح تساؤلات إضافية حول مدى احترام الالتزامات المهنية المرتبطة بالصفقات المبرمة مع القنوات التلفزيونية.
إن القنوات التلفزيونية العمومية ليست ملكاً لشركات الإنتاج، ولا هي فضاء خاص لتجريب الأعمال المثيرة للجدل دون مساءلة. إنها مؤسسات ممولة من المال العام، وبالتالي فإن كل درهم يُصرف فيها يجب أن يكون خاضعاً لمنطق الشفافية والتنافسية والجودة.
لهذا السبب، فإن النقاش حول أعمال نبيل عيوش أو شركته لا يجب أن يُفهم باعتباره هجوماً شخصياً، بل هو جزء من نقاش أوسع حول مستقبل الصناعة السمعية البصرية في المغرب، وحول ضرورة تحريرها من منطق الدوائر المغلقة والاحتكار غير المعلن.
فالمغرب اليوم يعيش تحولات كبيرة، ويطمح إلى بناء صناعة إعلامية وثقافية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. لكن هذا الطموح لن يتحقق ما لم يتم فتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، وإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص داخل منظومة الإنتاج التلفزيوني.
وفي انتظار ذلك، يبقى السؤال مطروحاً:
هل ستظل القنوات العمومية تدور في نفس الحلقة، أم أن لحظة المراجعة قد حانت؟
إلى ذلك الحين، يبدو أن المثل الشعبي سيظل صالحاً لوصف المشهد:
عيوش لا يلعن الشيطان… والشيطان ما يزال يتجول بحرية في دهاليز الإنتاج التلفزيوني.


