لا بشرى في تواصل SRM

لم يكن اختيار اسم “بشرى” مكلفاً بالتواصل داخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء سطات موفقاً إلا من حيث الصدفة اللغوية، لأن ما عاشته المؤسسة خلال الأسبوع الماضي أكد أن “البشرى” غائبة تماماً عن تدبير التواصل داخل واحدة من أكثر المؤسسات ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.
الأزمة لم تبدأ من فراغ، بل انفجرت حين اعتذرت الشركة، في آخر لحظة، عن إرسال ممثل رسمي لمناقشة موضوع غلاء الفواتير بالدار البيضاء مقارنة بمدينة سطات، خلال برنامج سكانير الذي تبثه إذاعة “إم إف إم”.
كان النقاش فرصة ذهبية لتوضيح المعطيات للرأي العام، وشرح خلفيات الأرقام، وامتصاص غضب المواطنين الذين يتساءلون يومياً عن فواتير الماء والكهرباء والخدمات المرتبطة بها. لكن مسؤولة التواصل اختارت أسهل الطرق: الهروب إلى ذريعة “ضيق الوقت”، في وقت كانت فيه المؤسسة في أمسّ الحاجة إلى الحضور لا الغياب.
التواصل ليس رفاهية داخل المؤسسات العمومية أو شبه العمومية، بل هو صمام أمان. وعندما تغيب الشفافية، تتضخم الشائعات وتتحول الأسئلة المشروعة إلى أزمة ثقة. ما وقع لم يكن مجرد اعتذار تقني، بل خطأ تدبيري كشف ارتباكاً واضحاً داخل جهاز التواصل.
الأخطر من ذلك، أن المعنية بالأمر، بدل القيام بالدور المنوط بها، لجأت — حسب ما توفر من معطيات — إلى أساليب أقرب إلى الممارسات البوليسية، عبر البحث في تاريخ مؤسسات إعلامية، ومحاولة رسم حدود وهمية بين الشركة وموقع زون24، دون علم الإدارة العامة ودون أي سند مهني أو مؤسساتي.
وهنا يجب التوضيح: الصحافة ليست خصماً للمؤسسات، بل شريكاً في نقل المعلومة. والتواصل ليس مراقبة الصحافيين ولا التنقيب في حياتهم أو علاقاتهم، بل توفير المعطيات الدقيقة للرأي العام. حين يتحول مسؤول التواصل إلى باحث في الملفات الشخصية بدل الباحث عن الحقيقة، فإن المؤسسة نفسها تصبح الضحية الأولى.
لسنا هنا لتلميع صورة أو لتصحيح انطباع شخصي صنعته مسؤولة لا يجمعها بالتواصل إلا الاسم. لكن من الواجب الهمس — وربما الصراخ — في أذنها وأذن من وضعها في هذا الموقع الحساس: إن ما جرى من ارتباك إعلامي لم يضر بصورة الصحافة، بل كشف هشاشة التواصل داخل شركة يفترض أنها تدير خدمات حيوية لملايين المواطنين.
إن نشر “غسيل” الشركة لم يبدأ من الإعلام، بل من سوء تدبير التواصل. فحين تغيب الإجابة الرسمية، يبحث الرأي العام عن الإجابات في أماكن أخرى. وحين تُغلق أبواب الحوار، تفتح أبواب الشك.
وإذا كان البعض يعتقد أن الضغط على الصحافة أو محاولة عزلها سيوقف الأسئلة، فهو واهم. لأن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد موجهاً للصحافيين، بل للمسؤولين: كيف تُدار مؤسسة بحجم الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء سطات بعقلية التواصل المغلق؟
وإن أرادت هذه السيدة تحويل النقاش إلى معارك جانبية، فنحن مستعدون لفتح كل الملفات، بدءاً من الراتب السمين المؤدى من جيوب المواطنين، مروراً بشبكة العلاقات الخاصة مع بعض الصحافيين في إطار ما يمكن تسميته بـ“التواصل الانتقائي”، وصولاً إلى طريقة تدبير صورة المؤسسة إعلامياً.
المفارقة المؤلمة أن الشركة، رغم توفرها على طاقات بشرية وإمكانات مالية كبيرة، تبدو اليوم تائهة في متاهة التواصل. فريق كامل ينشغل بتتبع الأشخاص بدل تتبع المعلومة، وبالبحث عن الولاءات بدل بناء الثقة، فضاعت الرسالة وضاعت معها صورة مؤسسة كان يفترض أن تكون نموذجاً في القرب من المواطن.
لا تحتاج الشركة إلى حملات تلميع، بل إلى عقلية جديدة: تواصل شفاف، مسؤول، وشجاع. لأن المؤسسات لا تسقط بسبب الأسئلة الصعبة، بل بسبب الهروب منها.
واليوم، المؤكد أن التواصل داخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء سطات لا يحمل أي “بشرى”… سوى اسمٍ لا يشبه الواقع.


