افتتاحية

أخلاق امهيدية في الميزان

منذ تعيينه والياً على جهة الدار البيضاء-سطات قادماً من طنجة، حرص محمد امهيدية على ترسيخ صورة المسؤول الصارم الذي لا يتردد في فرض القانون، رجل سلطة يعشق النظام ويعلن الحرب على الفوضى، مسؤولٌ يقدم نفسه باعتباره نموذجاً للإدارة الترابية الجديدة التي لا تساوم في احترام الضوابط ولا تتردد في اتخاذ قرارات تبدو أحياناً قاسية لكنها، حسب منطق السلطة، ضرورية لإعادة هيبة الدولة داخل مدينة تُوصف دائماً بأنها العاصمة الاقتصادية التي تسبق الدولة أحياناً في سرعتها وتفلت منها أحياناً أخرى. غير أن مرور الأشهر الأولى من هذا التعيين يفرض طرح سؤال مختلف تماماً: هل الصرامة وحدها تكفي لصناعة رجل دولة؟ أم أن أخلاق ممارسة السلطة هي المعيار الحقيقي الذي يُقاس به المسؤول العمومي؟ لأن التاريخ الإداري المغربي لا يتذكر المسؤولين الذين رفعوا الصوت عالياً بقدر ما يتذكر أولئك الذين أنصفوا المواطن حين كان ضعيفاً أمام مراكز النفوذ.

اليوم، لم يعد النقاش حول شخصية الوالي أو أسلوبه التدبيري، بل حول أخلاق السلطة نفسها، أخلاق تُختبر حين تتقاطع مصالح المال مع معاناة المواطن، وحين يصبح تطبيق القانون انتقائياً بدل أن يكون قاعدة عامة. وأول امتحان أخلاقي حقيقي يواجهه والي جهة الدار البيضاء-سطات يرتبط بملف الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات SRM، ذلك الملف الذي تحول في زمن قياسي إلى مصدر غضب اجتماعي واسع. آلاف المواطنين وجدوا أنفسهم أمام فواتير ماء وكهرباء وتطهير تضاعفت بشكل مفاجئ، أرقام صادمة لا تتناسب مع الاستهلاك الحقيقي للأسر، شكايات يومية، طوابير أمام الوكالات، ارتباك إداري، وصمت رسمي ثقيل يزيد الإحساس بالظلم. المواطن البيضاوي لا يطالب بالمستحيل، ولا يناقش تفاصيل الحكامة الترابية أو تعقيدات الانتقال من نظام التدبير المفوض إلى الشركات الجهوية، بل يسأل سؤالاً بسيطاً: لماذا أدفع أكثر دون تفسير؟ ولماذا لا أجد سلطة تحميني حين أشعر أن جيبي يُستنزف؟ هنا بالضبط يبدأ الميزان الأخلاقي في الاشتغال، لأن السلطة التي تظهر حازمة في تنظيم الفضاء العام مطالبة بالقدر نفسه من الحزم حين يتعلق الأمر بحماية القدرة الشرائية للمواطنين، فالصرامة التي لا تُمارس إلا على الحلقة الأضعف تتحول إلى استعراض إداري لا أكثر.

إن أخلاق المسؤول لا تُقاس بعدد قرارات الإغلاق أو حملات المراقبة، بل بمدى انحيازه للعدالة الاجتماعية حين تتعارض مع مصالح مؤسسات قوية أو شركات عمومية أو شبه عمومية تمتلك أدوات النفوذ والتأثير. فالبيضاوي الذي يسمع يومياً خطاب الانضباط والنظام يتساءل اليوم: لماذا لا نرى الصرامة نفسها حين يتعلق الأمر بفواتير أثقلت كاهل الأسر؟ ولماذا يبدو المواطن وحيداً في مواجهة آلة بيروقراطية ضخمة لا تقدم أجوبة واضحة؟ إن الصمت هنا ليس مجرد موقف إداري، بل إشارة أخلاقية تُقرأ سياسياً واجتماعياً، لأن السلطة الترابية، بحكم موقعها، ليست مجرد مراقب محايد بل ضامن للتوازن بين المرفق العمومي وحقوق المرتفقين.

أما الامتحان الأخلاقي الثاني، وربما الأكثر حساسية، فيتعلق بانتشار مقاهي الشيشة في قلب الدار البيضاء، خاصة بشارع إدريس السلاوي وشارع فرانكلين روزفلت، حيث تحولت هذه الفضاءات إلى ظاهرة علنية رغم غياب الترخيص القانوني لمزاولة نشاط الشيشة. الجميع يعرف الحيلة: رخصة “مقهى ومطعم” تُستعمل كغطاء قانوني، بينما النشاط الحقيقي هو تقديم الشيشة بشكل مكثف ومنظم، في تحدٍ واضح للقوانين المنظمة وللقرارات المحلية. المفارقة الصادمة أن هذه المحلات تشتغل أمام أعين الجميع، دون خوف أو ارتباك، وكأن القانون يصبح مرناً حين يتعلق الأمر بأنشطة تدر أرباحاً كبيرة. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين تنتهي الصرامة وأين تبدأ الانتقائية؟ لأن تطبيق القانون لا يقبل التجزئة، إما أن يكون شاملاً أو يفقد هيبته بالكامل.

خطورة هذه الظاهرة لا تقف عند حدود مخالفة إدارية، بل تمتد إلى تهديد مباشر للصحة العمومية. فالشيشة لم تعد مجرد عادة اجتماعية هامشية، بل تحولت إلى نمط استهلاك واسع وسط الشباب، في فضاءات مغلقة تفتقر في كثير من الأحيان إلى شروط السلامة الصحية والتهوية الضرورية. الدراسات الطبية تؤكد أن جلسة شيشة واحدة قد تعادل استنشاق كميات هائلة من الدخان مقارنة بالسجائر، ما يضاعف مخاطر الأمراض التنفسية المزمنة ويُسهم في انتشار العدوى داخل أماكن مكتظة يتشارك فيها الزبائن الأنابيب والأدوات نفسها. وفي سياق يعرف فيه المغرب عودة مقلقة لداء السل داخل الأوساط الحضرية، يصبح التساهل مع هذه الفضاءات مسألة تتجاوز الترفيه الفردي لتدخل في نطاق الأمن الصحي الجماعي. فداء السل ليس مجرد رقم في تقارير وزارة الصحة، بل مؤشر اجتماعي يرتبط بالفقر والاكتظاظ وضعف الوقاية، وأي فضاء يُسهّل انتقال العدوى يتحول عملياً إلى خطر عمومي صامت.

الأخلاق هنا ليست مفهوماً فلسفياً مجرداً، بل مسؤولية عملية: هل يمكن للسلطة أن تغض الطرف عن نشاط غير مرخص قد يساهم في تفاقم أمراض تنفسية خطيرة بينما تشدد الرقابة على تفاصيل أقل خطورة؟ وهل تصبح بعض المخالفات مقبولة لأنها مربحة اقتصادياً أو محمية بشبكات مصالح؟ إن المدينة التي تُغلق محلاتها ليلاً باسم النظام العام لا يمكن أن تترك فضاءات تهدد الصحة العامة تعمل بحرية كاملة. فالصرامة الحقيقية لا تُقاس بسهولة القرار بل بكلفته السياسية والاجتماعية، أي بقدرة المسؤول على مواجهة مناطق النفوذ الرمادية التي يصعب الاقتراب منها.

الدار البيضاء اليوم لا تبحث عن مسؤول قوي فحسب، بل عن مسؤول عادل، لأن القوة دون عدل تتحول إلى سلطة انتقائية، والعدل دون شجاعة يبقى شعاراً بلا أثر. المواطن البيضاوي يريد أن يرى القانون وهو يحميه لا يراقبه فقط، يريد سلطة تتدخل حين يُظلم اقتصادياً كما تتدخل حين يُخالف تنظيمياً، سلطة تعتبر الصحة العمومية أولوية حقيقية لا ملفاً ثانوياً. ولهذا فإن أخلاق امهيدية، مثل أي مسؤول عمومي، لا تُقاس بخطاب الحزم ولا بصورة الوالي الصارم، بل بالقرارات التي تُتخذ حين تتعارض راحة السلطة مع مصلحة المواطن.

إن المدينة تراقب، والرأي العام يسجل، والزمن الإداري لا يرحم. فإما أن تتحول الصرامة إلى عدالة شاملة تحمي المال والصحة والكرامة، وإما أن تبقى مجرد صورة إعلامية سرعان ما تتآكل أمام أسئلة الواقع. وبين فواتير تثقل جيوب البيضاويين ومقاهي شيشة تتحدى القانون في قلب العاصمة الاقتصادية، يجد والي الجهة نفسه أمام امتحان أخلاقي حقيقي، امتحان لا تحسمه البلاغات ولا الحملات الظرفية، بل يحسمه موقف واضح: الانحياز للمواطن أو تركه وحيداً داخل مدينة تبدو فيها القواعد صارمة على البعض ومرنة على البعض الآخر. وهنا تحديداً، وفي هذه اللحظة بالذات، توضع أخلاق امهيدية في الميزان، ليس باعتباره والياً فقط، بل باعتباره نموذجاً لطبيعة السلطة التي يريدها المغاربة في مدنهم: سلطة عادلة قبل أن تكون صارمة.