يكفيكَ أن تنجحْ

ليس النجاح في هذا الزمن امتحاناً للكفاءة فقط، بل اختبار قاسٍ للقدرة على تحمّل البشر أيضاً. فحين تنجح، لا تبدأ المعركة مع خصومك المعلنين، بل مع أولئك الذين يقتربون منك أكثر مما ينبغي، يبتسمون كثيراً، ويبالغون في العناق، ويغمرونك بكلمات المودة، قبل أن تكتشف متأخراً أنهم كانوا يحفرون حفرة باسم الصداقة.
الناجحون في كل المجالات يعرفون هذه الحقيقة جيداً: أخطر العثرات لا تأتي من العدو، بل من “المحب” الذي يراقب خطواتك بدقة، لا ليحميك، بل ليرى متى ستتعثر. ولذلك لم يكن الفيلسوف توماس هوبز مبالغاً حين قال إن الإنسان قد يتحول إلى ذئب لأخيه الإنسان. فالمشكلة ليست في المنافسة، بل في تلك الرغبة الخفية لدى البعض في ألا يرى أحدٌ غيرهم واقفاً تحت الضوء.
هذا بالضبط ما أعيشه منذ مدة ليست بالقصيرة. ألتقي أشخاصاً يفيضون حباً مبالغاً فيه، كلماتهم أكبر من صدقهم، وحرارتهم الإنسانية أعلى من اللازم. يربتون على كتفك، يرفعونك في المجالس، ثم ينسحبون بهدوء ليزرعوا الشكوك خلف ظهرك. بعضهم سقط أخيراً في الحفرة التي حفرها بنفسه، لأن الزمن لا يحمي الأقنعة طويلاً.
يؤلمهم أن تؤمن ببساطة الأشياء: أن الدنيا فانية، وأن الرزق من الله وحده، وأن وجودك هنا ليس سباقاً على الغنائم، بل أداءٌ لمهمة. النجاح بالنسبة إليهم استفزاز وجودي، لأنه يذكّرهم بما لم يستطيعوا تحقيقه، أو بما أضاعوه وهم يراقبون الآخرين بدل أن يبنوا أنفسهم.
وأستحضر هنا طرفة رواها الأستاذ الجامعي والفقيه الدستوري محمد جلال السعيد، أستاذ الملك محمد السادس بكلية الحقوق أكدال التابعة لجامعة جامعة محمد الخامس بالرباط. حين أراد وزير الداخلية القوي آنذاك إدريس البصري إقناع الملك الراحل الحسن الثاني بإبراز تمثيلية “العروبية” داخل البرلمان، اقترح حلاً طريفاً: تغيير اسم أستاذ جامعي من وادي زم ليصبح اسماً “يليق” برئاسة مجلس النواب. وهكذا تحول محمد بن الجيلالي إلى محمد جلال السعيد، في واحدة من مفارقات السياسة المغربية التي تختصر كيف يمكن للأسماء أن تتغير، لكن الجوهر يبقى ثابتاً.
وذات يوم، في مدرج الجامعة، دخلت طالبة بلباس أنيق لافت، فشدّت انتباه الجميع، بمن فيهم الأستاذ نفسه. فجاء صوت من آخر المدرج ساخراً: “حتى نتا آ محمد بن الجيلالي!”. فرد جلال السعيد بجملة تختصر فلسفة الحياة كلها:
“تنفست وردة فاستنشقناها جميعاً، ونهق حمار من بلدي فعرفته لوحدي.”
الفرق بين الوردة والحمار واضح دائماً… لكن ليس الجميع يملك الشجاعة للاعتراف به.
المؤلم اليوم أن جزءاً من الحسد داخل مهنتنا لم يعد خفياً. زملاء تجاوز بعضهم سن التقاعد، لكنهم عاجزون عن فراق “البزولة”، يعيشون على ذكريات زمن مضى، ويعتبرون كل نجاح جديد اعتداءً شخصياً عليهم. بدل أن يفسحوا المجال، يراقبون، يهمسون، يشيعون، ويقاومون أي نفس جديد قد يذكّرهم بأن الزمن لا ينتظر أحداً.
أليست أرض الله واسعة؟ أليس المجال متاحاً للجميع؟ لماذا يتحول نجاح الآخر إلى تهديد نفسي؟ ولماذا يصرّ البعض على البقاء حرّاساً لوهمٍ انتهى، بدل أن يكونوا شهوداً على جيل يصنع مساره الخاص؟
الحقيقة البسيطة التي لا يريد كثيرون سماعها هي أن النجاح لا يحتاج إلى إعلان حرب. يكفيك فقط أن تنجح… وستتكفل الحياة بكشف كل شيء. ستعرف من كان صادقاً، ومن كان يمثل، ومن كان ينتظر سقوطك أكثر مما كان يتمنى تقدمك.
في النهاية، النجاح ليس جريمة، لكنه يفضح النفوس.
يكفيكَ أن تنجح… ليظهر الجميع على حقيقتهم.


