كوبي كولي..سقوط الخنوسي في خطاب معاد للوحدة الترابية للمملكة

في الإعلام العمومي، لا تُقاس الأخطاء بحجمها التقني فقط، بل بما تحمله من دلالات سياسية ورمزية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تدخل في صميم الثوابت الوطنية. وما وقع داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لم يكن مجرد هفوة تحريرية عابرة، بل لحظة كاشفة لانزلاق خطير، جعل مؤسسة يفترض فيها الدفاع عن الرواية الوطنية تسقط في فخ خطاب يناقض أحد أعمدة الإجماع المغربي: الوحدة الترابية للمملكة.
القصة بدأت بما يبدو ظاهريًا تفصيلاً بسيطًا. قصاصة وكالة أنباء نُشرت كما وردت، دون معالجة، دون تدقيق، ودون أي قراءة سياسية أو تحريرية. «كوبي كولي» في أبسط صوره. لكن خلف هذا التبسيط المخل، ظهر خلل أكبر: منصة إعلام عمومي تتصرف وكأنها مجرد ناقل آلي للمحتوى، لا هيئة تحريرية تدرك حساسية الكلمات عندما تتقاطع مع الملفات السيادية.
القصاصة تحدثت عن عدد أعضاء الاتحاد الإفريقي باعتباره 55 دولة عضوًا، وهو رقم صحيح من الناحية المؤسساتية، لكنه ليس رقمًا بريئًا سياسيًا في السياق المغربي. فالمغرب، وفق موقف ثابت وواضح، لا يعترف بما يسمى «الجمهورية الصحراوية»، ويعتبرها كيانًا فاقدًا لمقومات الدولة. تجاهل هذا المعطى ليس مجرد نقص في الشرح، بل سقوط في نقل رواية دبلوماسية تتعارض مع الرؤية الرسمية للمملكة.
هنا لم يعد الأمر متعلقًا بمحررٍ متسرع أو صحافي مبتدئ، بل بمنظومة تحريرية كاملة سمحت بمرور مضمون حساس دون أي فلترة أو توضيح. فكيف يمكن لمؤسسة إعلام عمومي أن تعيد إنتاج خطاب دولي دون تمحيص، في ملف يعرف الجميع أنه من أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية المغربية؟ وأين كانت أعين المسؤولين التحريريين قبل النشر؟
المسؤولية المهنية والأخلاقية تقود مباشرة إلى مدير النشر، جمال الخنوسي. ففي المؤسسات الإعلامية المحترفة، لا يُختزل منصب مدير النشر في توقيع إداري أو لقب بروتوكولي، بل يشكل خط الدفاع الأخير عن سلامة الخط التحريري. كل ما يُنشر يمر، نظريًا وعمليًا، تحت مسؤوليته. وعندما يتحول الإعلام العمومي إلى منصة «نسخ ولصق»، فإن السؤال لا يُطرح على المحرر فقط، بل على من يقود غرفة الأخبار ويحدد معايير العمل داخلها.
ما حدث يكشف خللاً أعمق من مجرد نشر رقم دون سياق. إنه يعكس غياب ثقافة التحرير السياسي داخل مؤسسة يفترض أنها الأكثر وعيًا بحساسية الخطاب الوطني. فالإعلام العمومي ليس موقعًا إخباريًا عادياً؛ إنه واجهة الدولة الإعلامية، وصوتها الموجه للرأي العام الداخلي والخارجي. وأي انزلاق فيه يتحول تلقائيًا إلى رسالة سياسية، سواء أكانت مقصودة أم ناتجة عن الإهمال.
الأخطر لم يكن الخطأ نفسه، بل طريقة التعامل معه. بدل الاعتراف والتصحيح الفوري، تحرك أحد المسؤولين – وفق معطيات متداولة داخل الوسط الإعلامي – للاتصال ببعض المواقع الإلكترونية في محاولة لاحتواء القضية، عبر وعود إشهارية قُدّرت بحوالي خمسة آلاف درهم. ممارسة تطرح سؤالاً أخلاقيًا حادًا: هل نحن أمام تدبير أزمة إعلامية أم محاولة لشراء الصمت وتجميل الخطأ بدل معالجته؟
هذه الواقعة تعيد طرح إشكال أعمق داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة: من يكتب فعليًا؟ من يراجع؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول الخطأ إلى خطاب سياسي ملتبس؟ لأن الخطورة هنا لا تكمن فقط في نشر معلومة غير مؤطرة، بل في إنتاج محتوى يمكن أن يُقرأ، داخليًا وخارجيًا، كتنازل رمزي عن سردية وطنية دافع عنها المغرب دبلوماسيًا لعقود.
إن سقوط «الكوبي كولي» ليس مجرد سقوط مهني، بل سقوط في فهم وظيفة الإعلام العمومي نفسها. فحين يغيب الاجتهاد التحريري، وتحل الآلية محل الوعي، يصبح الإعلام الرسمي عرضة للاختراق الخطابي دون أن يشعر. وعندما يحدث ذلك تحت إشراف مدير نشر يفترض فيه ضبط البوصلة، فإن المسألة لم تعد خطأ فرديًا، بل مسؤولية قيادية كاملة.

اليوم، لم يعد السؤال هل وقع الخطأ أم لا، بل لماذا وقع؟ وكيف سُمح له بالمرور؟ وهل نحن أمام حادث معزول أم نتيجة ثقافة داخلية ترى في الصحافة مجرد إعادة نشر بدل أن تكون ممارسة قائمة على الفهم والتحليل والمسؤولية الوطنية؟
لأن الإعلام العمومي، في نهاية المطاف، لا يُختبر في الأخبار العادية، بل في اللحظات الحساسة. وهناك، تحديدًا، سقط «الكوبي كولي»… وسقط معه الإحساس بثقل الكلمة حين تتعلق بوحدة وطن.


