بلا قيود

قلق المجتمع بين التفكك والسياسات

لم يعد القلق الاجتماعي في السياق المعاصر مجرد إحساس عابر أو حالة نفسية فردية، بل أضحى بنية شعورية جماعية تؤطر علاقة الأفراد بذواتهم وبمحيطهم، وتعيد تشكيل نظرتهم إلى الدولة والمستقبل والمعنى. إننا أمام تحوّل نوعي يجعل من القلق لغة يومية، ومن التوجس إطارًا عامًا للفهم والتفاعل، حتى بات سؤال الأمان – بمختلف تجلياته – في صلب الوعي الاجتماعي.

هذا القلق، في عمقه، ليس وليد لحظة، بل هو نتيجة تراكمات مركبة، تتقاطع فيها تحولات القيم مع اختلالات السياسات، وتتشابك فيها ديناميات التفكك الاجتماعي مع محدودية الفعل العمومي. ولعل أولى تجلياته تبرز في تآكل الروابط الاجتماعية التقليدية، التي كانت تؤدي وظيفة الوساطة بين الفرد والمجتمع، وتمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والاستقرار.

لقد نبه عالم الاجتماع إميل دوركايم منذ زمن مبكر إلى خطورة حالة “الأنومي”، أي غياب المعايير التي تنظم السلوك وتمنح الأفراد إحساسًا بالاتجاه. واليوم، يبدو هذا المفهوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، حيث نشهد نوعًا من الفراغ القيمي، الناتج عن انهيار المرجعيات التقليدية دون أن تُعوّض بمنظومات حديثة قادرة على الضبط والتوجيه.

فالأسرة، التي كانت تُشكل الحاضن الأول للتنشئة، لم تعد قادرة – بفعل الضغوط الاقتصادية والتحولات الثقافية – على أداء أدوارها بنفس القوة السابقة. والمدرسة، التي يُفترض أن تكون فضاء لإنتاج المعنى وترسيخ القيم، تعاني بدورها من اختلالات بنيوية تمس جودة التعليم ووظيفته الاجتماعية. أما الفضاء العام، فقد أصبح مجالًا للتوتر بدل أن يكون مجالًا للتلاقي، حيث تتراجع الثقة ويتصاعد الشك.

في هذا السياق، يمكن استحضار تحليل زيغمونت باومان حول “الحداثة السائلة”، حيث تصبح العلاقات الإنسانية مؤقتة، هشة، وقابلة للانفصال في أي لحظة. إننا نعيش زمن السيولة، حيث لا شيء ثابت، ولا شيء مضمون، وهو ما يعمق الإحساس بعدم اليقين، ويجعل القلق جزءًا من التجربة اليومية، غير أن تفكك الروابط، رغم أهميته، لا يكفي لتفسير هذا القلق المتنامي، فهناك بعد آخر لا يقل تأثيرًا، يتعلق بفشل السياسات العمومية في تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء الثقة، فحين يشعر المواطن بأن الدولة لا تحميه من الهشاشة، ولا توفر له شروط العيش الكريم، فإن هذا الإحساس يتحول إلى قلق بنيوي، يتجاوز الفرد ليشمل الجماعة.

 

وقد أشار الفيلسوف يورغن هابرماس إلى أن الشرعية السياسية لا تُبنى فقط على المؤسسات، بل على التواصل والثقة، وحين يختل هذا التواصل، وتضعف قنوات الوساطة، فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع تدخل في أزمة صامتة، تتجلى في العزوف، وفي فقدان الأمل، وفي تصاعد الخطابات الاحتجاجية.

 

وفي السياق المغربي، تبرز هذه الإشكالية بشكل خاص، حيث تتعايش دينامية الإصلاح مع استمرار بعض مظاهر التفاوت المجالي والاجتماعي، فالفوارق بين المدن والقرى، وبين المركز والهامش، تخلق إحساسًا بعدم الإنصاف، وتغذي شعورًا بأن التنمية لا تشمل الجميع بنفس الدرجة.

يعتبر العديد من المفكرين أن العدالة المجالية ليست مجرد توزيع للموارد، بل هي شرط لإعادة بناء الثقة في الدولة. كما أن التحولات الرقمية، رغم ما تحمله من إمكانات، ساهمت في تعقيد هذا المشهد.

فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد فقط أدوات للتعبير، بل أصبحت فضاءات لإنتاج القلق وتداوله، حيث يتم تضخيم الأحداث، وتكثيف الإحساس بالخطر، وإعادة تدوير الصور السلبية بشكل مستمر.

وقد أبرز مانويل كاستلز كيف أن المجتمع الشبكي يعيد تشكيل الوعي الجماعي، ويخلق أنماطًا جديدة من التفاعل، لكنها قد تكون مشحونة بالتوتر وعدم الاستقرار.

إن القلق الاجتماعي، بهذا المعنى، هو مرآة لاختلالات أعمق، تتعلق بطبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وهو ليس فقط نتيجة لما يحدث، بل أيضًا تعبير عن كيفية إدراك ما يحدث.

فحين تغيب السرديات المقنعة، وتضعف الثقة في المستقبل، يصبح القلق أفقًا مفتوحًا، لا يجد من يحتويه أو يوجهه.

غير أن هذا القلق، رغم ثقله، يمكن أن يتحول إلى فرصة. فرصة لإعادة التفكير في النموذج التنموي، في أدوار المؤسسات، في موقع الإنسان داخل السياسات العمومية. فالمجتمع الذي يسأل بقلق، هو مجتمع لم يفقد بعد قدرته على التفكير، ولم يستسلم بعد لللامبالاة.

إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في تشخيص القلق، بل في بناء شروط تجاوزه. وذلك يمر عبر إعادة الاعتبار للروابط الاجتماعية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتبني سياسات عمومية أكثر إنصافًا وفعالية. كما يمر عبر إنتاج خطاب نقدي مسؤول، يربط بين التحليل والفعل، وبين الفهم والتغيير.

في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام أزمة عابرة، أم أمام تحول عميق في بنية المجتمع؟ وهل نملك الإرادة الجماعية لإعادة بناء ما تفكك، أم سنكتفي بإدارة القلق بدل معالجته؟ تلك هي أسئلة اللحظة، وتلك هي مسؤولية الفكر والسياسة معًا.