بلا قيود

القراءة عيب والجهل طمأنينة

في مجتمعاتنا، القراءة ليست سلوكًا عاديًا. لا تدخل ضمن نطاق عاداتنا اليومية البسيطة، ولا تدخل ضمن ما نفعله بشكل تلقائي. القارئ غالبًا يبدو كأنه خارج عن السياق، شخص غريب الأطوار، أو شاذ عن الجو العام.

المثير أن قلة القراءة لا تقف عند حدودها، بل تمتد إلى نظرتنا لمن يقرأ. القارئ لا يُرى كشخص يحاول أن يفهم أكثر، بل يُفهم أحيانًا على أنه يستعرض، أو يحاول أن يبدو مختلفًا. حيث المعرفة فقدت معناها الطبيعي، وتحولت إلى شيء يثير الشك بدل أن يثير الاحترام.

نحن نهتم كثيرًا بكيف نبدو، لكننا نادرًا ما نهتم بكيف نفكر. نعطي وقتًا وجهدًا لتفاصيل صغيرة في المظهر، بينما نؤجل ما يمكن أن يغير طريقة فهمنا للعالم. القراءة تبدو بالنسبة لنا كأنها أمر ثانوي، يمكن فعله أو تركه دون شعور حقيقي بالخسارة.

حتى من يقرأ، قد يشعر أحيانًا أنه مضطر إلى التخفيف من هذا الجانب أمام الآخرين. ليس لأنه مخطئ، بل لأن البيئة لا تشجّع. إن عبّرت عن فكرة بشكل واضح ومنظم، قيل إنك “تتفلسف”. وإن حاولت أن تكون دقيقًا في لغتك، بدوت متكلّفًا. وكأن الإشكال لم يعد في ضعف التعبير، بل في محاولة تجاوزه.

في المقابل، لا يزال العجز اللغوي أمرًا عاديًا. تُختزل الأفكار في جمل مبتورة، أو تُستبدل الكلمات برموز وصور. لا أحد يُطالب بأن يكون بليغًا، لكن من الغريب أن يصبح الوضوح نفسه محل سخرية.

بينما في مجتمعات متقدمة، لا يُطرح هذا النقاش أصلًا. لا أحد يسأل: لماذا يقرأ الناس؟ ولا أحد يشعر بالحاجة إلى تبرير ذلك. في الحافلات، في المقاهي، في الشوارع… يقرأ الناس كما ينظرون إلى هواتفهم، أو يحتسون قهوتهم. لا أحد يصفهم بالمختلفين، ولا أحد يتهمهم بالاستعراض. القراءة هناك ليست موقفًا ولا تميزًا، بل حدًّا أدنى من التعامل مع الذات. الفرق ببساطة أن ما نراه نحن مجهودًا إضافيًا، يرونه هم سلوكًا عاديًا لا يحتاج حتى إلى انتباه.

هذا الواقع لا يصنع فقط أفرادًا أقل قراءة، بل يصنع عقولًا أقل مقاومة. ومن هذه الزاوية، تتجاوز المسألة مجرد ذوق شخصي أو اختيار فردي، لتلامس سلامة الوعي نفسه.

الأمر الذي يفرض على كل فرد سوي منا أن يأخذ المسألة بجدية، لا باعتبارها ترفًا، بل ضرورة. أن تتحول القراءة من هواية إلى أداة، ومن عادة عابرة إلى موقف. فهي ليست مجرد صفحات تُقلب، بل ترياق يحمي العقل من التعفن، وسلاح يُمكّن صاحبه من فهم ما يجري حوله بدل أن يكون مجرد متلقٍّ له.

وحين نأخذ ثقافتنا على محمل الجد، لا على محمل التميز والاستعراض، نصبح أمام مسؤولية مختلفة: مقاومة هذا التبلد العام، ورفض الانحدار السهل. إنها معركة هادئة، لكنها هادفة، معركة وعي قبل أي شيء آخر.

لأن المجتمع الذي لا يدافع أفراده عن عقولهم، سيجد نفسه لا تقوده معرفته، و سيقوده في نهاية المطاف، شخص أو مجتمع غيره.