التعليم والسياسة..من يصنع الوعي؟

لم يعد السؤال حول العلاقة بين التعليم والسياسة ترفًا فكريًا، بل أصبح مدخلًا أساسيًا لفهم تحولات المجتمعات الحديثة. فحين نتأمل مسارات الدول، لا نجد أن الفارق الحقيقي يكمن فقط في الموارد أو المؤسسات، بل في طبيعة الوعي الذي يُنتج داخل المدرسة، ويُعاد تشكيله داخل الفضاء السياسي. هنا تحديدًا، يتقاطع مشروع الدولة مع مشروع المجتمع: هل نُعلّم لنُحرّر، أم نُؤطّر لنُوجّه؟
التعليم، في جوهره، ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو فعل تأسيسي لإنتاج الإنسان. إنه المجال الذي تُزرع فيه أنماط التفكير، وتُصاغ فيه علاقة الفرد بذاته وبالآخر وبالدولة. لذلك، لم يكن التعليم يومًا محايدًا، بل كان دائمًا رهين اختيارات سياسية كبرى، تُحدد ماذا نُدرّس، وكيف نُدرّس، ولماذا نُدرّس. فكل إصلاح تعليمي يخفي وراءه تصورًا ضمنيًا للمواطن المرغوب فيه: هل هو مواطن نقدي، قادر على مساءلة السلطة؟ أم فرد منضبط، يُجيد الامتثال أكثر مما يُجيد التفكير؟
في المقابل، تمارس السياسة دورًا حاسمًا في توجيه هذا المسار. فهي التي تُحدد السياسات العمومية، وتُوزع الموارد، وتُرسم حدود الحرية داخل المؤسسة التعليمية. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في تدخل السياسة في التعليم، بل في طبيعة هذا التدخل: هل هو تدخل يُعزز الاستقلالية الفكرية، أم يُعيد إنتاج الطاعة الرمزية؟ هنا، يصبح التعليم ساحة صراع غير معلن بين منطقين: منطق التحرير ومنطق الضبط.
لكن المفارقة الكبرى أن العلاقة بين التعليم والسياسة ليست أحادية الاتجاه. فكما تُؤثر السياسة في التعليم، يُعيد التعليم تشكيل الحقل السياسي نفسه. فالمجتمعات التي تستثمر في تعليم نقدي تُنتج فاعلين سياسيين قادرين على النقاش والمساءلة، بينما تُنتج الأنظمة التعليمية المغلقة نخبًا هشة، تُجيد إعادة إنتاج الخطاب أكثر مما تُجيد إنتاج الأفكار. وهكذا، يتحول التعليم إلى محدد خفي لجودة الديمقراطية، وإلى معيار غير مباشر لقياس نضج المجال السياسي.
وفي هذا السياق، يبرز الشباب كفاعل مركزي في هذه المعادلة. فهم نتاج مباشر للمنظومة التعليمية، وفي الآن ذاته، قوة محتملة لإعادة تشكيل الحقل السياسي. غير أن السؤال المؤرق هو: لماذا يبدو هذا الجيل، في كثير من الأحيان، بعيدًا عن الفعل السياسي التقليدي؟ هل هو عزوف ناتج عن ضعف الوعي، أم رفض واعٍ لنماذج سياسية لم تعد تقنع؟ هنا، يظهر أن الأزمة ليست في الشباب بقدر ما هي في نمط التعليم الذي لم ينجح في ربط المعرفة بالفعل، ولا في تمكين الفرد من أدوات الفهم والمشاركة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في ضعف التعليم فقط، بل في تحويله إلى أداة لإنتاج الامتثال بدل النقد. فعندما تُختزل المدرسة في وظيفة تأهيل تقني، وتُفرغ من بعدها التربوي والفكري، فإنها تُسهم بشكل غير مباشر في إضعاف المجال السياسي. إذ كيف يمكن لمجتمع أن يبني ديمقراطية حقيقية دون مواطنين يمتلكون القدرة على التفكير الحر، وعلى مساءلة البداهات؟
لذلك، فإن إعادة طرح سؤال “من يصنع الوعي؟” هو في العمق مساءلة مزدوجة: مساءلة للسياسة التي تُؤطر التعليم، ومساءلة للتعليم الذي يُعيد إنتاج السياسة. إنها دعوة لإعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة والسلطة، بين المدرسة والدولة، بين التكوين والمواطنة.
فالوعي لا يُصنع في قاعات الدرس فقط، ولا في خطابات السياسيين وحدها، بل في ذلك التفاعل العميق بين ما نتعلمه، وما نعيشه، وما نُطالب به. وحين يلتقي تعليم يُحرّر بسياسة تُصغي، يمكن حينها فقط أن نتحدث عن مجتمع يُنتج وعيه بنفسه، لا يُستورد له، ولا يُفرض عليه.


