مجتمع

شركة التازي تعلق فشلها التواصلي وسرقة جيوب المواطنين على لفتيت وامهيدية

لم يعد الغضب الذي يسود شوارع الدار البيضاء مجرد تذمر عابر من فاتورة ماء أو كهرباء مرتفعة، بل تحول إلى نقاش عمومي واسع حول طريقة تدبير مرفق حيوي يمس الحياة اليومية لملايين المواطنين. فخلال الأشهر الأخيرة، وجد آلاف البيضاويين أنفسهم أمام فواتير توصف داخل الأحياء الشعبية والمتوسطة بـ”الصدمة الشهرية”، بعد زيادات اعتبرها كثيرون غير مفهومة ولا مبرَّرة.

في قلب هذا الجدل تقف الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات، التي يقود إدارتها العامة يوسف التازي، وهي المؤسسة التي كان يفترض أن تشكل نموذجاً جديداً في تدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل بعد نهاية مرحلة التدبير المفوض السابقة. غير أن البداية، وفق ما يظهر اليوم، تحولت إلى أزمة ثقة حقيقية بين الشركة والمواطن.

المشكلة لم تبدأ بالأرقام فقط، بل بكيفية التعامل معها. فبدل فتح قنوات التواصل مع الصحافة وتقديم توضيحات تقنية دقيقة حول أسباب الارتفاع المفاجئ للفواتير، اختارت الشركة صمتاً طويلاً، أعقبه خطاب مرتبك، ثم محاولة نقل المسؤولية خارج أسوارها الإدارية.

مصادر إعلامية وصحفية أكدت أن طلبات متكررة لإجراء حوارات أو الحصول على معطيات رسمية قوبلت بالتجاهل أو الرفض، في وقت كان المواطن يبحث عن إجابة بسيطة: لماذا ارتفعت الفواتير بهذا الشكل؟ وهل يتعلق الأمر بأخطاء في القراءة؟ أم بنظام فوترة جديد؟ أم بتراكمات سابقة؟

لكن بدل الإجابة، بدأت تظهر رواية جديدة داخل كواليس الشركة مفادها أن الإشكال يتجاوزها، وأن المسؤولية ترتبط بالسياق المؤسساتي العام، في إحالة غير مباشرة على وزارة الداخلية والسلطات الترابية. وهنا تحديداً بدأ اسم عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، واسم محمد امهيدية، والي جهة الدار البيضاء-سطات، يترددان كعنوانٍ لتبرير التعثر.

هذا المنطق يطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبح تعليق الأخطاء على السلطة الوصية بديلاً عن تحمل المسؤولية التدبيرية؟ فالشركة الجهوية متعددة الخدمات ليست إدارة هامشية، بل مؤسسة أنشئت تحديداً لتقريب القرار التدبيري من المواطن وضمان الحكامة الجيدة في قطاع حساس. وبالتالي فإن فشل التواصل أو اضطراب الفوترة لا يمكن تفسيره فقط بالسياق المؤسساتي أو بالتوجيهات العليا.

الواقع أن الأزمة الحالية ليست تقنية بقدر ما هي أزمة تواصل وثقة. فالمواطن لا يحتج فقط على ارتفاع الفاتورة، بل على غياب تفسير واضح. وعندما يغيب الشرح، تتولد الشكوك، وعندما تتراكم الشكوك تتحول المؤسسة إلى طرف متهم بدل أن تكون جهة خدمة عمومية.

ما يزيد من تعقيد الوضع هو أن الشركة اختارت، بدل الاعتراف بوجود اختلالات محتملة في مرحلة الانتقال أو في نظام احتساب الاستهلاك، أن تقدم نفسها كضحية لإكراهات خارجية. هذا الخطاب، وفق متتبعين، لا يقنع الرأي العام، لأنه يتجاهل حقيقة بسيطة: المواطن يؤدي الفاتورة للشركة، وليس لوزارة الداخلية أو للولاية.

في الأحياء الشعبية بسيدي مومن والحي الحسني وسباتة وعين الشق، تتكرر الشكايات نفسها: فواتير مضاعفة، صعوبة في الحصول على تفسير، وطوابير أمام الوكالات دون أجوبة مقنعة. بعض المواطنين تحدثوا عن انتقال مفاجئ من استهلاك عادي إلى أشطر مرتفعة دون تغيير واضح في نمط الاستهلاك، وهو ما غذّى الإحساس بأن الأمر يتعلق بما يشبه “استنزافاً منظماً” للقدرة الشرائية.

التدبير الحديث للخدمات العمومية لا يقوم فقط على البنية التقنية، بل على الشفافية. فحين ترتفع الفواتير، يصبح التواصل واجباً لا خياراً. وحين يحتج المواطن، يكون الرد بالأرقام والمعطيات، لا بإلقاء المسؤولية على مؤسسات أخرى.

الأخطر في هذه الأزمة أن الشركة، بدل بناء علاقة ثقة مع الإعلام باعتباره وسيطاً بين المؤسسة والمجتمع، دخلت في مواجهة صامتة مع الصحافة، وكأن السؤال الصحفي تهديدٌ وليس أداةً لتوضيح الحقيقة. هذه المقاربة حولت أزمة قابلة للاحتواء إلى قضية رأي عام تتوسع يوماً بعد يوم.

لا أحد ينكر أن تنزيل نموذج الشركات الجهوية متعددة الخدمات مشروع إصلاحي كبير ومعقد، وأن الانتقال المؤسساتي قد يرافقه ارتباك مرحلي. غير أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، لا بالبحث عن شماعات سياسية لتعليق الفشل عليها.

اليوم، يجد يوسف التازي وإدارته أنفسهم أمام اختبار حقيقي: إما العودة إلى منطق الحكامة والتواصل الصريح مع المواطنين والصحافة، أو استمرار أزمة الثقة التي قد تتحول إلى عبء سياسي واجتماعي أكبر من مجرد جدل حول فواتير مرتفعة.

فالدار البيضاء لا تحتاج إلى تبادل الاتهامات بين المؤسسات، بل إلى جواب واضح وبسيط: من المسؤول عن الفواتير الصادمة؟ وكيف ستتم حماية جيوب المواطنين مستقبلاً؟ لأن المواطن، في النهاية، لا تهمه الخلافات الإدارية بقدر ما يهمه أن تكون الخدمة عادلة، والشفافية حاضرة، والمال العام مصوناً من أي تدبير مرتبك أو تواصل غائب.