سياسة

جهلٌ مُعلَّب..حين يتحول الخطأ القانوني إلى رأيٍ عام

أثار مقال منشور بموقع Sin Press نقاشًا واسعًا، ليس بسبب الأسئلة التي طرحها، بل بسبب مغالطة قانونية اعتبرها متابعون جوهرية، تتعلق بجهة الاختصاص في الطعون المرتبطة بانتخاب أعضاء البرلمان. فالمقال، وفق قراءات قانونية متقاطعة، خلط بين اختصاصات مؤسسات قضائية مختلفة، مقدّمًا معطيات لا تنسجم مع المقتضيات الدستورية المؤطرة للعملية الانتخابية بالمغرب.

وبالعودة إلى النصوص المنظمة، فإن الطعون المرتبطة بانتخاب أعضاء البرلمان تُعرض حصريًا على المحكمة الدستورية، باعتبارها الجهة الوحيدة المخول لها دستوريًا البت في صحة انتخاب البرلمانيين. هذا المقتضى لا يدخل في نطاق التأويل أو الاجتهاد الصحفي، بل يشكل قاعدة قانونية واضحة ضمن منظومة الشرعية الدستورية.

غير أن المقال موضوع الجدل قدّم الأمر للقارئ وكأن هناك مسارات أخرى للطعن، بما يوحي بوجود اختصاص موازٍ يمكن اللجوء إليه خارج الإطار الدستوري المحدد. وهو ما اعتبره مهتمون بالشأن القانوني انزلاقًا مهنيًا، لأن الخلط بين القضاء الإداري والمحكمة الدستورية لا يتعلق بتفصيل تقني بسيط، بل بجوهر توزيع الاختصاصات داخل الدولة.

ويرى متابعون أن الإشكال لا يكمن فقط في الخطأ ذاته، بل في الطريقة التي قُدِّمت بها المعلومة، حيث أُلبست صيغة اليقين، الأمر الذي يمنحها قوة تأثير أكبر لدى الرأي العام، رغم عدم دقتها القانونية. فحين تتحول المعلومة غير الصحيحة إلى خطاب حاسم، يصبح أثرها مضاعفًا، لأنها لا تثير النقاش بقدر ما تخلق التباسًا في فهم القواعد المؤسساتية.

هذا النوع من الطرح، بحسب فاعلين إعلاميين، قد يفتح الباب أمام تأويلات مغلوطة حول مساطر الطعن الانتخابي، ويغذي الاعتقاد بوجود قنوات بديلة خارج الإطار الدستوري، وهو ما ينعكس سلبًا على صورة المؤسسات وعلى مستوى الثقة في آليات الرقابة القانونية المنظمة للحياة السياسية.

وتطرح هذه الواقعة مجددًا سؤال المسؤولية المهنية داخل الحقل الإعلامي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواضيع قانونية ودستورية دقيقة. فالصحافة، إلى جانب دورها الإخباري، تضطلع بوظيفة تفسيرية تفرض عليها التدقيق في المفاهيم قبل تقديمها للرأي العام، لأن أي خطأ في هذا المستوى لا يبقى حبيس المقال، بل يتحول إلى معرفة متداولة يصعب تصحيحها لاحقًا.

ويؤكد مختصون أن الشرعية الدستورية تقوم أساسًا على وضوح المساطر وتحديد الاختصاصات، وهو ما يجعل التعامل معها بمنطق التخمين أو التقريب مسألة محفوفة بالمخاطر المهنية. فالقارئ، في نهاية المطاف، لا يبحث عن الإثارة بقدر ما ينتظر معلومة دقيقة تساعده على فهم كيفية اشتغال المؤسسات.

وفي ظل تسارع النشر الرقمي واحتدام المنافسة الإعلامية، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في السبق الصحفي، بل في ضمان سلامة المعلومة. لأن الخطأ حين يتعلق بمؤسسات دستورية لا يُقاس بالنوايا، بل بمدى تأثيره على وعي المتلقي وعلى جودة النقاش العمومي.

ويبقى السؤال مطروحًا داخل الأوساط الإعلامية:

هل يتعلق الأمر بزلة تحريرية عابرة فرضها الاستعجال، أم بمؤشر على تحوّل بعض الخطابات الإعلامية نحو صناعة الجدل على حساب الدقة القانونية؟

سؤال يعيد إلى الواجهة الحاجة إلى صحافة تُنير النقاش العمومي بدل أن تزيده غموضًا.