السلطة الرابعة

رغم فبركته ملفاً ضد “زون24” خدمة للعرايشي..الطالب علي يُحال على التقاعد

لم يكن عبد الله الطالب علي يتصور، وهو يتحالف السنة الماضية مع ثلةٍ من المتربصين بحرية الصحافة، أن نهاية مساره المهني ستأتي بهذه السرعة. الرجل الذي انخرط بكل حماس في محاولة إسقاط مدير نشر موقع “زون24” والزج به في السجن، انتهى به المطاف، أمس الاثنين، محالاً رسمياً على التقاعد، في قرار أنهى سنوات من المسؤولية داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.

القصة بدأت عندما اختار المدير السابق لقناة الأمازيغية الاصطفاف ضمن جبهة غير معلنة، هدفها تصفية حسابات إعلامية ضيقة. حينها، ظهر اسم عبد الله الطالب علي ضمن من ساهموا في صناعة ملف مفبرك ضد “زون24″، ملف بني على روايات متناقضة وتصريحات غريبة لا تستند إلى وقائع ثابتة، بل إلى مخيلة من صاغ السيناريو الأصلي للقضية.

الأغرب أن الطالب علي لم يكتفِ بالصمت أو الحياد الإداري المفروض في مسؤول بمؤسسة عمومية، بل ذهب بعيداً في محاولة إعطاء الملف طابعاً “أكاديمياً” و”مؤسساتياً”، عندما خرج بتصريحات من مدينة سطات ومن داخل جامعة الحسن الأول، تصريحات بدت أقرب إلى إعادة سرد لوقائع متخيلة منها إلى عرض معطيات حقيقية. يومها، استغرب متابعون كيف لمسؤول إعلامي عمومي أن يتحول إلى طرف في نزاع إعلامي، بدل أن يحافظ على مسافة المهنة والمؤسسة.

كان واضحاً أن الطالب علي يعتقد أنه يقدم “خدمة العمر” لفيصل العرايشي، الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. فقد ظن أن الانخراط في معركة ضد موقع إعلامي مزعج لبعض دوائر القرار سيُترجم إلى مكافأة إدارية أو تمديد في المسؤولية. لكن حسابات الواقع لم تكن مطابقة لحسابات الولاء.

فداخل المؤسسات العمومية، لا يكفي الاصطفاف الظرفي ولا صناعة الملفات لإطالة العمر المهني. القرار الذي صدر بإحالته على التقاعد كشف حقيقة بسيطة: المؤسسة لا تبنى على تصفية الحسابات، ولا تستمر بمنطق “إرضاء المسؤول الأعلى”، بل بمنطق النتائج والتدبير والقدرة على حماية صورة المرفق العمومي.

قرار عدم التمديد للطالب علي حمل رسائل متعددة داخل دار البريهي. أولها أن مرحلة ما بعد المسؤولية لا تحددها درجة القرب من مراكز القرار، بل حصيلة التدبير المهني. وثانيها أن تحويل الإعلام العمومي إلى ساحة صراع مع الصحافة المستقلة لم يعد خياراً مقبولاً، خصوصاً في سياق يعرف تحولات كبرى تنتظر الإعلام الوطني مع الاستحقاقات الدولية المقبلة.

ولعل المفارقة الكبرى أن الرجل الذي ساهم، حسب معطيات متقاطعة، في محاولة خنق صوت إعلامي مستقل، غادر منصبه في صمت إداري بارد، دون ضجيج ولا إشادة استثنائية، وكأن المؤسسة أرادت طي الصفحة بهدوء، بعيداً عن كل تلك المعارك التي أُريد لها أن تكون فاصلة.

اليوم، وبعد الإحالة الرسمية على التقاعد، يجد عبد الله الطالب علي نفسه أمام خلاصة قاسية لمسار مهني انتهى بطريقة لم يكن يتوقعها. فالرهان على الولاءات الظرفية لم يمنحه الاستمرار، ومحاولة تقديم قرابين إعلامية لم تغير قرار المؤسسة.

في النهاية، تبقى الدروس واضحة داخل المشهد الإعلامي المغربي: الملفات المفبركة لا تصنع مستقبلاً، واستهداف الصحافة لا يضمن البقاء، أما المؤسسات، فتمضي دائماً إلى الأمام… تاركة وراءها من اعتقدوا أن خدمة الأشخاص أهم من خدمة المهنة.