مشروع قانون التعليم المدرسي بين الدولة الاجتماعية ومنطق السوق: أي مدرسة نريد للمغاربة؟

يأتي مشروع قانون التعليم المدرسي في سياق وطني موسوم بتراكم الأزمات البنيوية للمنظومة التربوية، وفي لحظة سياسية دقيقة تُرفع فيها شعارات الدولة الاجتماعية، وتُعلن فيها نوايا إصلاح المدرسة العمومية باعتبارها رافعة للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، غير أن القراءة المتأنية لمضامين هذا المشروع تطرح أسئلة جوهرية حول الاختيارات الكبرى التي تؤطر الإصلاح، وحول موقع المدرسة العمومية في مقابل توسع التعليم الخصوصي، وحول طبيعة العلاقة بين الدولة والفاعل الخاص في مجال يفترض أنه مجال سيادي بامتياز.
إن التعليم، في جوهره، ليس خدمة تقنية قابلة للتفويت، ولا سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، بل هو حق دستوري، وأداة لإعادة إنتاج الاندماج الاجتماعي، وبناء المواطن، وضمان الحد الأدنى من المساواة الرمزية بين أفراد المجتمع.
من هذا المنطلق، فإن أي قانون يؤطر التعليم المدرسي ينبغي أن ينطلق من مبدأ مركزي: أولوية المدرسة العمومية باعتبارها عمود الخيمة في أي مشروع تنموي ديمقراطي.
غير أن مشروع القانون، كما هو معروض، يوحي أحيانًا بنزوع واضح نحو “تطبيع” حضور التعليم الخصوصي، ليس كخيار تكميلي ظرفي، بل كفاعل بنيوي داخل المنظومة، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر حقيقية على مفهوم الخدمة العمومية. فحين يتم وضع المدرسة العمومية والتعليم الخصوصي داخل الإطار نفسه، دون تمييز واضح في الأدوار والغايات والمرجعيات، فإننا نكون أمام خلطٍ خطير بين منطق الحق ومنطق الربح.
إن السؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود التعليم الخصوصي في حد ذاته، فهو واقع اجتماعي فرضته اختلالات المدرسة العمومية وتفاوتات المجال الترابي، بل يتعلق بمدى قدرة الدولة على ضبط هذا القطاع، ومنعه من التحول إلى آلية لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية. فالتعليم الخصوصي، حين يُترك لمنطق السوق وحده، يصبح أداة للانتقاء الاجتماعي، لا فضاءً للتكامل التربوي.
ويزداد هذا الإشكال حدة حين نلاحظ أن مشروع القانون لا يحسم بشكل صريح في مسؤولية الدولة عن تمويل المدرسة العمومية وتأهيلها، بقدر ما يفتح الباب أمام أشكال متعددة من الشراكات، قد تنتهي عمليًا إلى انسحاب تدريجي للدولة من أدوارها الاجتماعية، تحت يافطة “الحكامة” و“تنويع مصادر التمويل”.
إن إصلاح المنظومة التربوية لا يمكن أن ينجح بقوانين تنظيمية فقط، بل يحتاج إلى اختيار سياسي واضح: هل نريد مدرسة عمومية قوية، جاذبة، وممكِّنة، أم نكتفي بتدبير أزمة مزمنة عبر توزيع الأدوار بين العمومي والخصوصي؟ وهل نؤمن فعلًا بأن التعليم أداة للعدالة الاجتماعية، أم ننظر إليه كقطاع استثماري قابل للتنافس والربح؟
من زاوية قضايا الشباب، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا، فالشباب المغربي هو أول المتضررين من هشاشة المدرسة العمومية، وهو أيضًا أول من يدفع ثمن التفاوت في جودة التعليم، وما يترتب عنه من تفاوت في فرص الولوج إلى الشغل والمشاركة الاجتماعية.
إن أي إصلاح لا يضع مصلحة المتعلم، خاصة القادم من الفئات الهشة، في صلب اهتمامه، هو إصلاح محكوم بالفشل الأخلاقي قبل البيداغوجي.
وعليه، فإن مشروع قانون التعليم المدرسي، بدل أن يكون مجرد نص تقني لتنظيم القطاع، يجب أن يتحول إلى تعاقد مجتمعي واضح، يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية، ويُخضع التعليم الخصوصي لضوابط صارمة، ويؤكد أن الدولة، مهما تنوعت الشراكات، تبقى المسؤول الأول والأخير عن ضمان الحق في تعليم جيد ومنصف.
إن المدرسة التي نريدها ليست تلك التي تُدار بمنطق الأرقام فقط، بل تلك التي تُبنى بمنطق القيم، وتُموَّل بمنطق الاستثمار في الإنسان، وتُؤطَّر بإرادة سياسية صادقة. دون ذلك، سيظل أي قانون، مهما حسنت نواياه، مجرد مسكن تشريعي لأزمة أعمق عنوانها: غياب الاختيار التربوي الواضح.


