بلا قيود

جحيم إبستين و شيطنة “الأفكار المستوردة”

إنَّ المجتمعات، بجميع أفرادها، تختلف طباعُها، وتختلف طرقُ تبرير سلوكات أفرادها من شخص إلى آخر؛ بعضها يظهر علنًا، والآخر يظل مستورًا إلى أن يُكتشف. وما حدث بجزيرة إبستين خير مثال على ذلك: تلك السلوكات المنحرفة والمخيفة التي اختبأت وراء وجوه سياسية، ومشاهير، ومثقفين، ورؤساء دول، وعلماء… والأكثر فزعًا أنها مُورست بشكل ممنهج ومنظّم!

كلُّ فرد سويٍّ، وذو عقلٍ سليم، سيشعر بكمية من الفزع والقرف تجاه تلك السلوكات غير المحمودة (البيدوفيليا، التعذيب، أكل لحوم البشر…). لكن ما لوحظ بعد ذلك أن ردود أفعالنا، كمجتمعات عربية، لم تختصر في التعبير عن هول هذه السلوكات، ولم نُركّز على ضرورة المحاسبة والمحاكمة، بل خرجت الأصوات بعد صمتها في شكل دعاية استهجانية، صنعت صورة زائفة مفادها أننا حققنا انتصارًا أخلاقيًا وعلميًا على حسابهم، وسط معركة وهمية صنعناها بين “الغرب الكافر” كما نسميه، و”المجتمع الإسلامي”.

لم نضرب فقط في مصداقية الأخلاقيات بربطها بمن يمثلونها من مرتكبي تلك السلوكات، بل صرخت كل جهة بضربة معمَّمة على ما لم يتقبله عقلها سابقًا؛ ضربنا في العلم، والسياسة، وأنماط العيش، وكل ما يمثل الغرب حرفيًا. وهكذا أصبح تكرار بعض الكلمات، وربطها بالشحنة الانفعالية المطلوبة، أسلوبًا فعالًا يسمح بقابلية تصديق كل ما يُلقى على مسامعنا، دون إخضاعه لموازين النقد.

وبغضّ النظر عن التناقض بين ما نكرهه جهرًا وما نمارسه سرًّا، وعن المغالطات المنطقية التي لم تفصل بين الشخص والمجال الذي يمثله (العالِم والعِلم، السياسي والسياسة، المواطن وحياة المواطن…) والتي جعلتنا نتوهّم أننا انتصرنا في معركة وهمية خلقناها بأنفسنا، فإن أكثر تناقض لافت للنظر، ويستحق الغوص فيه، هو ذلك النفور الذي تجسّد في تكرار تعبير “الأفكار المستوردة”. هذا التعبير الذي طالما ارتبط في أذهاننا، منذ الماضي، بدعاية الاستهجان، وحملناه معنا مشحونين بعد هذه الأحداث؛ حيث جعلنا نكفّر بكل فكر أو علم يمثل الغرب، ونتوق إلى القطيعة معه، بوصفها نوعًا من الفخر والهوية.

إن الحديث عن “المستورد” لم يكن، في بداياته، سوى توصيف بسيط في مجال التجارة، نطلقه على السلع التي لا تُنتَج داخل حدود البلد. ومع الزمن، انتقل هذا التعبير من المجال المادي إلى المجال الرمزي، ليُستعمل مجازًا في وصف الأفكار، فأصبحنا نتحدث عن “الأفكار المستوردة” كما لو كانت سلعة مشبوهة. والحال أن منطق التجارة نفسه لا ينظر إلى المستورد بوصفه شرًّا مطلقًا، بل ضرورة حيوية تسدّ الخصاص، وتلبّي الحاجيات، بل وتوفّر الكماليات. وإذا كانت المجتمعات تحتاج إلى استيراد السلع لتستمر، فهي تحتاج، بالقدر نفسه، إلى استيراد الأفكار لتتطور وتواكب حركة العالم.

غير أن المفارقة، في واقعنا العربي، أن هذا المنطق ينقلب رأسًا على عقب عندما يتعلق الأمر بالفكر، حيث يتحول “المستورد” فجأة إلى تهمة، ويُشنّ عليه هجوم واسع، رغم أن أشدّ المهاجمين له هم أنفسهم من يطالبون باستيراد كل شيء من الخارج، من أبسط الأدوات إلى أعقد التقنيات، في مشهد لا يخلو من تناقض صارخ.

فلماذا يُسمح بالاستيراد في كل المجالات، بما فيها الخبرات والعقول، ويُمنع فقط حين يتعلق الأمر بالأفكار؟ وإذا كان من الضروري، كما يُقال، الاكتفاء بما ننتجه محليًا، فلماذا لا يُطبّق هذا المبدأ على جميع الميادين دون استثناء؟ لماذا نفتح الأبواب على مصراعيها أمام سيل من المنتجات الاستهلاكية، كثيرٌ منها تافه ولا يضيف شيئًا لقيمنا، بينما نغلقها في وجه فكرة أنتجها عقل ينتمي إلى مجتمع آخر؟ أليس في هذا الانتقاء ما يكشف خللًا عميقًا في طريقة تفكيرنا؟

ليس من حق أي مجتمع أن يشيطن الأفكار القادمة من الخارج، وهو يعتمد، في أدق تفاصيل حياته، على ما يستورده من غيره، بما في ذلك العقول والخبرات. هذا الموقف لا يكون منسجمًا إلا في حالة واحدة: أن يقرر المجتمع الانغلاق التام على ذاته، وأن يكتفي بموارده الفكرية والعلمية، وأن يعتمد عليها ماديًا ومعنويًا في تسيير شؤونه. وهو خيار لم نسلكه، ولا يبدو أننا مستعدون لسلوكه، مما يجعل خطابنا ضد “الأفكار المستوردة” مجرد انعكاس لتناقضاتنا أكثر منه موقفًا مبدئيًا.

ولكي ننظر إلى المسألة بعين أكثر إنصافًا، يكفي أن نستحضر تجربة تاريخنا الإسلامي خلال حركة الترجمة الواسعة، التي شملت الفلسفة والعلوم والمعارف المختلفة. لقد كانت تلك الجرأة في استقبال الفكر القادم من حضارات أخرى سببًا مباشرًا في بروز نخبة لامعة من الفلاسفة والعلماء والمؤرخين، الذين شكّلوا منارة فكرية للعالم خلال العصور الوسطى. ولم يقتصر أثرهم على محيطهم الحضاري، بل امتد لاحقًا إلى أوروبا، وأسهم في إيقاظ نهضتها، في دور لا يزال الاعتراف به يتسع يومًا بعد يوم. آنذاك، لم يكن الفكر الإسلامي متلقيًا فقط، بل أصبح مُصدِّرًا، وكان استيراد أوروبا لهذا الفكر أحد العوامل الحاسمة في مسارها الحضاري.

وقد يتباهى البعض بهذا الدور، متسائلين: ألسنا نحن من أنار الغرب وقدم له مفاتيح النهضة؟ غير أن ما يغيب عن هذا الفخر هو أنه اعتراف ضمني بقيمة استيراد الفكر ذاته؛ فالتصدير لا معنى له دون استيراد، وهما عمليتان متلازمتان، وجهان لعملة واحدة. ومع ذلك، نجد اليوم من يحارب “الأفكار المستوردة” بشراسة، بينما يفخر في الوقت نفسه بأن الغرب استورد فكرنا وعلومنا، ويمنحه كامل الشرعية في ذلك. هكذا ننكر المبدأ حين يُطبَّق علينا، ونحتفي به حين يُنسب إلينا، دون وعي بحجم التناقض الذي نقع فيه.

لكن هل يعني هذا النقد أن كل فكر قادم من الخارج يستحق الترحيب المطلق وفتح الأبواب له دون تمحيص؟ الجواب، بطبيعة الحال، هو لا. فهناك بالفعل أنماط من الفكر ينبغي التعامل معها بحذر شديد، خصوصًا تلك التي تتسلل إلى العقول بطرق غير مباشرة، وتُمرَّر في قوالب جذابة، لتُنتج في النهاية اتجاهات مضرة، خاصة لدى الفئات ذات الخبرة المحدودة. ويبرز هذا الخطر بشكل واضح فيما تروّجه بعض الوسائط الإعلامية الشعبية، من أعمال يُفترض أنها فنية أو ترفيهية، لكنها مشبعة برسائل وقيم موجَّهة، تخدم أغراضًا مرسومة سلفًا أكثر مما تخدم الإنسان ووعيه.

خلاصة القول، إن ما حدث في جزيرة إبستين يظل سلوكات منحرفة ومدانة، لا يمكن تبريرها أو التساهل معها بأي شكل من الأشكال، لكنها في الوقت ذاته لا تصلح ذريعة لقطيعة نهائية مع العلم، ولا مع التجارب الإنسانية الرصينة التي أثبتت قدرتها على الإسهام في تطوير الفكر العربي والارتقاء بمجتمعاتنا. فإدانة الانحراف لا تعني رفض المعرفة، ومحاسبة السلوك الإجرامي لا تستلزم إغلاق العقل، لأن المجتمعات لا تتقدم بالقطيعة، بل بالتمييز الواعي بين ما يُرفض أخلاقيًا، وما يُستثمر فكريًا لصالح الإنسان.