بلا قيود

من يُحاسِب حين تضيع المسؤولية؟

من يُحاسِب حين تضيع المسؤولية؟

الدولة، البيروقراطية، وأخلاق القرار في زمن الكوارث

حين تقع الكارثة، لا يكون الخطر في حجم الخسائر وحدها، بل في الطريقة التي تُدار بها الأسئلة بعدها. الكارثة الحقيقية تبدأ غالبًا بعد انقضاء الحدث، حين يبحث المجتمع عن مسؤول… فلا يجد أحدًا.

 

يتبخر الخطأ في الهواء، ويُوزَّع الفشل على عدد من المتدخلين، وتتحول المسؤولية إلى مفهوم ضبابي لا يخص أحدًا بعينه.

في هذه اللحظة بالذات، نكون أمام سؤال سياسي وأخلاقي بامتياز:

من المسؤول حين يضيع المسؤول؟

ومن يُحاسَب حين يصبح الفشل بلا توقيع، والقرار بلا صاحب، والنتائج بلا مساءلة؟

 

في الدول التي تحترم نفسها، تُعدّ الكوارث لحظات اختبار للسلطة، لا لحظات استعراض. اختبار لقدرتها على الاعتراف، على تصحيح المسار، وعلى ربط القرار بالمسؤولية.

 

أما عندنا، فكثيرًا ما تتحول الكارثة إلى تمرين جماعي في الهروب:

الإدارة تحتمي بالمسطرة،

والمسؤول يختبئ خلف الاختصاص،

والمؤسسة تلوذ بالصمت باسم “التحقيقات الجارية”.

 

هكذا يُغلق النقاش قبل أن يبدأ، ويُدفن السؤال قبل أن يُطرح.

البيروقراطية، كما شرحها ماكس فيبر، وُجدت أصلًا لضمان النجاعة والتنظيم والوضوح. لكنها حين تتحول إلى غاية في ذاتها، تُنتج عكس ما وُجدت من أجله.

 

بدل أن تُحدّد المسؤوليات، تُفتّتها.

وبدل أن تُيسّر القرار، تُفرغه من معناه السياسي

.

كل إدارة تقول: “هذا ليس من اختصاصي”،

وكل مسؤول يكرر: “قمت بما يفرضه عليّ القانون”.

والنتيجة؟

كارثة بلا مُدان، وفشل بلا محاسبة.

لكن الإشكال أعمق من خلل إداري أو سوء تنسيق. نحن أمام أزمة ثقافة سياسية، أزمة فهم لمعنى الدولة ذاتها.

 

وهنا يصبح نقد عبد الله العروي شديد الصلة بواقعنا. فالعروي لم يكن ينتقد غياب القوانين أو ضعف التنظيم، بل كان يوجّه سهامه إلى دولة استوردت أدوات الحداثة دون أن تستبطن أخلاقها.

 

دولة تُتقن إنتاج النصوص، لكنها لا تُتقن الاعتراف بالخطأ.

دولة تُراكم المؤسسات، لكنها تعجز عن ربط السلطة بالمسؤولية.

السؤال إذن ليس: هل لدينا مؤسسات؟

بل: هل لدينا دولة؟

هل نحن أمام دولة مؤسسات حقيقية، أم أمام مؤسسات تشتغل بلا روح دولة؟

هل تعدد المتدخلين ثراء وظيفي، أم فوضى مقنّعة باسم التنسيق؟

ولماذا يتحول احترام الاختصاص إلى ذريعة للتنصل، بدل أن يكون أساسًا للمساءلة؟

في زمن الكوارث، لا يُقاس أداء الدولة بسرعة البلاغات، ولا بعدد الصور المنشورة، بل بقدرتها على مواجهة الحقيقة.

والحقيقة المؤلمة هي أن أخطر ما نعيشه ليس الكارثة ذاتها، بل ما تكشفه من ذهنية تدبير:

ذهنية تُقدّس النظام أكثر مما تحمي الإنسان،

وتدافع عن الصورة أكثر مما تبحث عن الحقيقة،

وترى في الاعتراف بالخطأ هزيمة، لا شرطًا للإصلاح.

في هذه الذهنية، لا أحد يُخطئ…

لأن الخطأ، ببساطة، لا يُعترف به.

لكن كيف يمكن بناء ثقة عمومية في ظل جهاز لا يعتذر؟

وكيف يمكن الحديث عن دولة قوية، إذا كانت هذه القوة لا تُقاس إلا بقدرتها على الإنكار؟

وهل نحتاج فعلًا إلى قوانين جديدة، أم إلى شجاعة سياسية تُعيد للمسؤولية معناها الأخلاقي؟

الكوارث لا تُعلّم فقط كيفية التدخل، بل تكشف طريقة التفكير.

وحين تتكرر الكارثة، ويتكرر معها الإنكار، فالأمر لم يعد حادثًا عرضيًا، بل أصبح بنية:

بنية فشل بلا محاسبة،

وسلطة بلا اعتراف،

ودولة تُدير الأزمات… دون أن تتعلم منها.

وذلك، في حد ذاته، أخطر أشكال الكوارث.