مجتمع

الماء في جماعة أمزورة..حين يتحول الحق إلى معاناة يومية

بقلم: طلوع عبد الإله

لا توجد اليوم قضية تؤرق ساكنة جماعة أمزورة أكثر من قضية الماء. فهذه المادة الحيوية التي يفترض أن تكون حقاً مكفولاً للجميع أصبحت بالنسبة لعدد من الأسر هاجساً يومياً ومعركة متواصلة من أجل تأمين أبسط شروط العيش الكريم. وبينما تنشغل دول العالم بالبحث عن سبل تحقيق الأمن المائي وضمان العدالة في توزيع الموارد، يجد جزء من سكان أمزورة أنفسهم أمام واقع يطرح أسئلة مؤلمة حول تدبير هذا المرفق الأساسي وحول موقع المواطن البسيط داخل أولويات المسؤولين المنتخبين.

لقد تحولت أزمة الماء داخل الجماعة من مشكل ظرفي إلى حالة مزمنة تفرض نفسها على الحياة اليومية للساكنة. فالأحاديث داخل الدواوير لم تعد تدور حول مشاريع التنمية أو فرص الاستثمار أو تحسين البنيات التحتية، بل أصبحت تتمحور حول ساعات انقطاع الماء، وحول المعاناة التي تواجهها الأسر في البحث عنه، وحول الشعور المتنامي بأن هناك خللاً واضحاً في تدبير هذا القطاع الحيوي.

وإذا كان من الطبيعي أن تعرف بعض المناطق إكراهات مرتبطة بندرة المياه أو بتأثيرات التغيرات المناخية، فإن غير الطبيعي هو أن تستمر المعاناة لسنوات دون أن تلوح في الأفق حلول حقيقية قادرة على إعادة الثقة للمواطنين. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بندرة الموارد، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بطريقة التدبير وبمدى قدرة المنتخبين على تحويل الوعود الانتخابية إلى إجراءات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

إن أخطر ما في هذه الأزمة ليس العطش في حد ذاته، بل الإحساس بالتمييز الذي بدأ يتسلل إلى نفوس عدد من المواطنين. فحين يشعر المواطن بأن الماء يصل إلى أماكن معينة بشكل عادي بينما تعاني مناطق أخرى من الخصاص والانقطاع، فإن ذلك يطرح أسئلة مشروعة حول العدالة في التوزيع وحول المعايير المعتمدة في تدبير هذه المادة الحيوية. وحين تتكرر هذه الملاحظات على ألسنة الساكنة، فإن المسؤولية تقتضي تقديم التوضيحات اللازمة للرأي العام بدل ترك المجال للإشاعات والتأويلات.

لقد كان من المفترض أن يشكل المجلس الجماعي فضاءً لإنتاج الحلول وتجاوز الإكراهات، غير أن ما يلاحظه المتتبع للشأن المحلي هو أن جزءاً كبيراً من الزمن السياسي داخل الجماعة استهلكته الصراعات والتجاذبات والخلافات بين المنتخبين. وهي صراعات قد تكون مفهومة في إطار التدافع السياسي، لكنها تصبح عبئاً ثقيلاً عندما تؤدي إلى تعطيل الأولويات الحقيقية للمواطنين.

إن المواطن في أمزورة لا يطلب امتيازات استثنائية، ولا ينتظر مشاريع عملاقة تتجاوز إمكانيات الجماعة، بل يطالب فقط بحقوق أساسية تضمن له الكرامة. والماء يأتي في مقدمة هذه الحقوق، لأنه ليس خدمة تكميلية يمكن الاستغناء عنها، بل شرط من شروط الحياة نفسها. ولذلك فإن أي إخفاق في ضمان استمرارية هذه الخدمة ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

وما يزيد من حدة الإحباط أن الساكنة لا ترى في الأفق نقاشاً عمومياً جاداً حول مستقبل الموارد المائية بالجماعة، ولا تلمس وجود رؤية واضحة لمعالجة الاختلالات القائمة. فالأزمات الكبرى لا تواجه بالصمت، ولا بالتبريرات المتكررة، وإنما بالمصارحة مع المواطنين وتقديم المعطيات الدقيقة ووضع برامج قابلة للتنفيذ تخضع للتتبع والمحاسبة.

إن أزمة الماء في أمزورة تكشف في العمق أزمة أخرى تتعلق بأولويات التدبير المحلي. فحين يصبح الحصول على الماء حلماً بالنسبة لبعض الأسر، فإن الحديث عن التنمية يفقد الكثير من معناه. وحين ينشغل المسؤولون بصراعاتهم الخاصة بينما تنشغل الساكنة بتأمين حاجياتها الأساسية، فإن الفجوة بين المواطن والمؤسسات تتسع بشكل خطير.

اليوم، تحتاج أمزورة إلى أكثر من مجرد وعود جديدة. تحتاج إلى إرادة حقيقية تجعل من الحق في الماء أولوية مطلقة. تحتاج إلى تدبير شفاف يخضع للمراقبة والمساءلة. تحتاج إلى منتخبين يدركون أن قيمة المسؤولية لا تقاس بعدد الاجتماعات أو التصريحات، بل بمدى قدرة المواطن على لمس نتائج العمل العمومي في حياته اليومية.

فالماء ليس امتيازاً يمنح لهذا أو لذاك، وليس أداة للمحاباة أو النفوذ، بل حق دستوري وإنساني أصيل. ومن حق ساكنة أمزورة أن تتساءل: كيف يمكن لجماعة أن تتحدث عن التنمية في الوقت الذي ما زال جزء من سكانها منشغلاً بالبحث عن قطرة ماء؟

إن التاريخ المحلي لا يخلد أسماء المسؤولين بسبب مناصبهم، بل بسبب ما قدموه للناس. وما ستتذكره ساكنة أمزورة مستقبلاً ليس حجم الخلافات السياسية التي شهدتها الجماعة، بل قدرة المسؤولين على إنهاء معاناة العطش وإعادة الاعتبار لحق بسيط اسمه الماء.