وجهات نظر

العماري يكتب: شعرة معاوية أو التخريجة المنتظرة

بالموازاة مع ولوجي الجامعة نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، باشرت الفعل النقابي مع النقابة الوطنية للتعليم العالي بالمغرب. من ثم، عشت محطاتها كفاعل ضمنها ومن مواقع مختلفة. منحني ذلك، مع مرور عقود، إمكانية النظر في دور ووظيفة هذا الصرح النقابي العتيد دونما تركي للفعل اليومي المباشر ضمنها. كانت النتيجة رؤية عن منظومة نقابية، أعبِّر عنها بمقالات حصرت موضوعها في تحليل “الاستراتيجية النضالية” لهذه النقابة؛ سليلة نسق الحركة الوطنية المغربية. نشرت مقالا سابقا بداية هذه السنة الجامعية عن « سيناريوهات إزاء القانون 59- 24 الخاص بالتعليم العالي والبحث العلمي» . واليوم، أحصر معطيات عبر العناوين الفرعية التسعة الآتية:

1- تقديم.

2- لكن هل من توتر داخل النقابة نفسها؟

3- عودة إلى القانون 59-24.

4- بيان اللجنة الإدارية 15 فبراير 2026.

5- العودة إلى القانون 59-24 من زاوية الرأي 18/ 2025 للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

6- في توازي المجلسين؛ الجامعة والأمناء بحسب رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

7- في سياق حدة التوتر بين النقابة والحكومة/ الوزارة.

8- فما المغزى من حركة العالم الافتراضي (وسائط التواصل الاجتماعي).

9- خاتمة “شعرة معاوية” أو التخريجة المنتظرة!

ذكرني هذا السياق المشحون حول القانون 59-24، ماعشناه سنة 1997 بسبب مرسوم 19 فبراير 1997 (في شأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين)، وكيف عُيِّن إدريس البصري، الغني عن التعريف، محاورا للنقابة وقتئذ.

استمر إذن في تحليل الإستراتيجية النضالية للنقابة الوطنية للتعليم العالي؛ مركزا اليوم على سؤال “شعرة معاوية” أو التخريجة المنتظرة، سبيلا للمرور بسلام بين النقابة والحكومة والوزارة، إلى أفق سنة جامعية لا تهددها سنة بيضاء، وفي انتظار اِجتماع اللجنة الإدارية يوم 12 أبريل 2026م!

وفقا لمسطرة التشريع المغربي، يبدو أن القانون المقصود استكمل مسطرته التشريعية، لينشر في الجريدة الرسمية بعد صدور أمر تنفيذه وفقا لدستور 2011، داخل أجل 30 يوما بعد إحالته على الحكومة.

– ما آفاق تخفيف التوتر إذن؟

والحال، ظلت البؤر في الاختلاف حول مجلس الأمناء وإحداث ما أعتُبر مؤسسات هجينة ومقتضيات أخرى.

أحيل قبلئذ، إلى أفق القوانين التطبيقية والتنظيمية. وأشير إلى ما تبقى من تشريع خاص بالنظام الأساسي للأساتذة الباحثين: نصوص مباراة الولوج والتأهيل والترقية من أستاذ محاضر إلى مؤهل وإلى أستاذ التعليم العالي وإلى الدرجة الاستثنائية.

وأذكر الحل الذي تمت بلورته بعد رفض صاخب للمادة المتعلقة بتركيبة “مستخدم لدى الجامعة” في المرسوم 804-96-2 الصادر بتاريخ 19 فبراير 1997 في شأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين. إذ تم تجميدها.

 

 

 

 

مكونان (والمقصود تمثيلية نقابية على أساس امتداد تنظيمي سياسي وآخر حزبي) من المكونات الستة في المكتب الوطني يُنتقدان، بسبب حضور مجلس المستشارين وحضور تظاهرة نقابية بالداخلة. خصوصا أنه تم تداول معلومة، مفادها اِنعقاد اجتماع المكتب الوطني يوم الجمعة 6 فبراير 2026م،قصد إعداد اجتماع اللجنة الإدارية بتاريخ 15 فبراير 2026م.

بدت مكونات أخرى تُروِّج لرفض تنسيق ثنائي للمكونين المذكورين، تمتد أبعاده إلى آفاق اِنتخابية عامة. وتمتد إلى موقف أكثر حدَّة. خصوصا مع اِعتقال طلبة بالقنيطرة وصدور بيانين؛ واحد عن رؤساء الشعب بكلية العلوم، والثاني عن المكاتب المحلية للنقابة الوطنية للتعليم العالي بمؤسسات الاِستقطاب المفتوح (26 دجنبر 2025) التابعة لجامعة اِبن طفيل، يدينان ويستنكران بشدة «كل أشكال العنف اللفظي والمعنوي الصادرة عن بعض الطلبة المحسوبين على أحد الفصائل الطلابية» في سياق اِمتحانات الدورة الخريفية (2025/2026).

وغير خاف أن قوة النقابة (من دلالتها حيازة 86٪ من مقاعد اللجان الإدارية المتساوية الاعضاء على المستوى الوطني) تكمن في استقلاليتها وديموقراطيتها ووحدتها ( بتعدديتها)؛ باعتبارها امتدادا تاريخيا واِجتماعيا لنسق أنموذجي (paradigme) للحركة الوطنية المغربية بكل فصائلها، تأسيسا على مبدأي الاستقلال والديمقراطية.

سيصادق مجلس النواب في جلسة تشريعية عقدها اليوم الثلاثاء (20 يناير 2026)، بالأغلبية على مشروع قانون رقم 59.24 يتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي بعد قراءة ثانية.

حظي مشروع القانون بموافقة 82 نائبا برلمانيا، بينما عارضه 33 آخرون.

«وفي كلمة تقديمية لمشروع القانون، قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميدواي، إنه تم إعداد هذا النص “بتجرد كامل وبعيدا عن أي خلفيات أو اعتبارات ايديولوجية”، مبرزا أن الهدف الأسمى هو تأهيل منظومة التعليم العالي وإيجاد الظروف الملائمة للجامعة المستقبلية، بما يمكنها من مواكبة مختلف التحولات والتطورات الكبرى.

وسجل الوزير أن التعديلات التي عرفها المشروع تمت في إطار مقاربة تشاركية، مشيرا إلى أنه تم قبول 52 تعديلا بمجلس النواب و 22 تعديلا بمجلس المستشارين.

كما نوه بإسهام البرلمانيين، أغلبية ومعارضة، في إغناء النقاش التشريعي، مؤكدا أن “الاختلاف بشأن بعض التعديلات غير المقبولة يعود إما لكونها مضمنة في مواد أخرى من المشروع، أو لاختلاف زوايا النظر حول بعض مقتضياته والتي قد تمس بجوهره “.

وفي ما يخص تعديلات مجلس المستشارين، أشار الوزير إلى أنها اقتصرت في مجملها على جوانب قانونية طفيفة، شملت إضافات وتصحيحات لغوية وتركيبية، فضلا عن التفاعل الإيجابي مع مطالب التمثيليات النقابية» (عن موقع هسبريس- و. م. ع 20 يناير 2026).

يركز الخطاب الحكومي عموما على « أن مستجدات الإطار القانوني ذاته ارتكزت على مأسسة التخطيط الاستراتيجي، من خلال إعداد مخطط مديري للتعليم العالي يُمكّن من مواكبة واستشراف تطور التعليم العالي والبحث العلمي وفق مبادئ العدالة المجالية والإنصاف بين مختلف الجهات، ووضع استراتيجية وطنية للبحث العلمي والتقني والابتكار تحدد الأولويات الوطنية وتعزز التنسيق والانسجام والنجاعة في تنفيذ السياسات العمومية ذات الصلة.

ولتعزيز حكامة الجامعات والمؤسسات القطاعية، تم إحداث مجلس الأمناء كهيئة جديدة لمواكبة ودعم الجامعة، والحفاظ على الصلاحيات والاختصاصات الكاملة لمجلس الجامعة، مع مراجعة تركيبته وربط تعيين رئيس الجامعة ورؤساء المؤسسات الجامعية والقطاعية بدفاتر تحملات، ومأسسة “الشعبة” كبنية لتأطير الأنشطة البيداغوجية والعلمية.

كما نص مشروع القانون على إفراز هندسة لغوية تكرس مكانة اللغتين الرسميتين للمملكة مع الانفتاح على اللغات الأجنبية، ومأسسة التكوين عن بعد والتكوين بالتناوب والتكوين مدى الحياة، الإطار القانوني لشهادة التكوين المستمر، ووضع آليات للتقييم وضمان الجودة» .(م.ن)

تقف وراء القانون 24 .59، مرجعية؛ منها ما يؤكد عليه الخطاب الرسمي:

1. القانون الإطار والسياسة العمومية للدولة؛

2. الشراكة عام/خاص ومنطق السوق؛

3. «إن الثروة الحقيقية لأمم هم البشر» (أ.سميث)، بمثابة مقوم للتنمية من وجهة نظر خبروية (من خبرة: Expertise).

4. معادلة تكوين/تشغيل وتنويع التكوين.

بينما، يرى الخطاب المعارض و/أو المحتاط، كل ذلك نابعا من غايات دفينة، منها:

1. ضبط المجتمع والتحكم فيه، بضبط اِستقلالية وحرية وتعددية الفضاء الأكاديمي.

2. هيمنة هاجس التمويل بهدف تسليع الخدمة العمومية للمؤسسة الجامعية. بل في هذا الصدد، يشار إلى مشاريع سابقة كالمخطط الاستعجالي بمثابة مشروع إصلاحي (2009-2012) والبرنامج الاستراتيجي لتكوين 10 ألاف مهندس وطبيب سنويا عبر كليات ومعاهد جديدة في إطار رؤية لتحديث النسيج الاقتصادي، والصناعي بالمغرب في عهد حكومة ادريس جطو (2002-2007). حيث خضعت لتقييم جزئي وكلي من قبل مؤسسات دستورية كالمجلس الأعلى للحسابات أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

يضع البيان عنوانا قويا دالا على حدّة التوتر:

«لا لقانون تخريب الجامعة العمومية، ولا لسياسة المماطلة والتسويف».

بل يترجم ذلك حدّة النقاش إلى حدِّ التشنج، بين مكونات اللجنة الإدارية (باعتبارها أعلى هيئة تقريرية)؛ أعضاء وتنظيمات. وعلى إثر الاستماع إلى العرض المفصل الذي قدمه الكاتب العام باسم المكتب الوطني، والذي استعرض حصيلة المرحلة ما بين اجتماعي اللجنة الإدارية، وما أعقبه من مناقشة مسؤولة وصريحة من طرف أعضاء اللجنة الإدارية، أعلنت اللجنة الإدارية للرأي الجامعي والوطني الآتي:

«- تأكيد رفضها القاطع للقانون 24-59 الذي تم تمريره في ظل إقصاء ممنهح للشريك الاجتماعي الأساسي، وضرب صريح للمقاربة التشاركية المؤطرة بالتصريح المشترك الموقع بتاريخ 20 أكتوبر 2022 بين الحكومة والنقابة الوطنية للتعليم العالي، وكذا تنصل واضح من مخرجات اللقاء المنعقد بتاريخ 24 يوليوز 2025 مع الوزارة الوصية، الذي تم خلاله التأكيد على اعتماد منهجية التصحيح المشترك في معالجة الملفات الكبرى للقطاع.

-.اعتبارها أن هذا القانون يشكل مساساً خطيراً باستقلالية الجامعة العمومية، وتقييداً لحريتها الأكاديمية، وفرضاً لأشكال جديدة من الوصاية على مؤسساتها، وفتحاً لباب تسليع التعليم العالي العمومي وتقويض دوره کمرفق عمومي استراتيجي. وتؤكد أنها لن تقبل بأي محاولة لفرض الأمر الواقع عبر تنزيل هذا القانون. ولن تتعامل معه كأمر نهائي. بل تطالب بإعمال كافة الآليات المؤسساتية والقانونية المتاحة من أجل إعادته إلى طاولة الحوار، عملاً بمقتضيات التصريح المشترك ليوم 20 أكتوبر 2022 واحتراماً للالتزامات المعبر عنها خلال لقاء 24 يوليوز 2025.

-.تسجيلها استمرار سياسة المماطلة والتسويف في التعاطي مع الملف المطلبي الوطني، وتحمل الحكومة كامل المسؤولية السياسية عن استمرار هذا الوضع. وتدين إغلاق وزارة التربية الوطنية باب الحوار بشأن الملف المطلبي الخاص بمراكز تكوين الأطر.»

يضيف البيان:

«كما أكدت اللجنة الإدارية على أولوية الاستجابة الفورية للملف المطلبي المشروع للأساتذة الباحثين، وفي مقدمته:

• التسوية العاجلة لملف الدكتوراه الفرنسية.

• تسوية ملف الترقية في الدرجة لسنة 2023 والإسراع بملفات 2024 و 2025.

• احتساب الأقدمية العامة المكتسبة في الوظيفة العمومية.

• تعميم تسع سنوات من الأقدمية الاعتبارية أسوة بزملائنا بكليات الطب والصيدلة وطب الأسنان.

• مراجعة جداول الأرقام الاستدلالية بما يضمن الإنصاف.

• إعفاء تعويضات البحث العلمي من الضريبة.

• تخفيض سنوات الترقي وتقليص آجال تغيير الإطار.

• حصر التسيير الإداري للمؤسسات الجامعية في هيئة الأساتذة الباحثين. »

ووفاء الالتزاماتها الوطنية والدولية، جاء في بيان النقابة، عبر لجنتها الإدارية:

-«وفيما يتعلق بالقضايا الوطنية والحريات الأكاديمية، تعبر اللجنة الإدارية عن تضامنها الكامل مع ضحايا الفيضانات، وتدعو إلى تعبئة وطنية شاملة لمواكبة هذه المحنة.

وتؤكد اللجنة الإدارية تضامنها مع الأستاذات والأساتذة الباحثين الذين تعرضوا لمضايقات أو شكايات بسبب أدائهم لمهامهم النقابية أو الأكاديمية، ومع أعضاء المكاتب المحلية للنقابة الوطنية الذين استهدفتهم متابعات أو ضغوط، داعية إلى احترام الحريات الجامعية وصون حرمة الفضاء الأكاديمي ووقف كل أشكال التضييق على العمل النقابي داخل الجامعة .وفي هذا الإطار، تعلن تضامنها مع الأستاذ الباحث المعطي منجب مطالبة برفع الحيف الذي طاله.

كما تجدد موقفها المبدئي الداعم للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، ورفضها لكل أشكال التطبيع، وخاصة التطبيع الأكاديمي. »

ثم يضيف البلاغ، مركزا على الإطار التنظيمي من جهة، وعلى الواجهة التنسيقية من جهة أخرى:

-«وفي سياق التحولات التي يعرفها القطاع، تؤكد اللجنة الإدارية أن قوة النقابة الوطنية للتعليم العالي تكمن في وحدتها التاريخية والتفاف الأستاذات والأساتذة الباحثين حول إطارهم الموحد، وتدعو إلى تحصين العمل النقابي وصيانة تماسكه من كل ما من شأنه إضعافه أو تشتيته.

وانسجاماً مع ما تم التأكيد عليه في بيان 14 شتنبر 2025، تشدد اللجنة الإدارية على ضرورة توسيع التشاور مع مختلف الفاعلين والهيئات والقوى الحية، من أجل بلورة جبهة وطنية واسعة للدفاع عن الجامعة العمومية واستقلاليتها، باعتبارها قضية مجتمعية تتجاوز الإطار الفئوي والنقابي. »

ليُصرِّف البيان مساره النضالي، كالآتي:

« وتؤكد اللجنة الإدارية عزمها مواصلة المسار النضالي دفاعاً عن الجامعة العمومية ومنظومة تكوين الأطر ومكتسبات الأستاذات والأساتذة الباحثين. وتعلن تنفيذ خطة نضالية تصعيدية، تضم (إضرابات، وقفات، تجميد الهياكل ،…) . تبدأ بإضراب وطني لمدة 48 ساعة يومي 03 و 04 مارس 2026. يعقبه تنظيم وقفة احتجاجية أمام البرلمان مع إبقاء اجتماع اللجنة الإدارية مفتوحاً إلى غاية 12 أبريل 2026، لتقييم المستجدات واتخاذ ما يلزم من قرارات. » (م.ن).

نعود إلى رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي والابتكار (ماي 2025)، بعد المصادقة عليه من قبل الجمعية العامة للمجلس في دورتها الثامنة المنعقدة يوم 20 ماي 2025. كان أصلا استجابة لإحالة واردة من رئيس الحكومة. لا أحتاج إلى التذكير بأن النقابة ممثلة بالمجلس.

يشدد الرأي على بنية الإحالات على النصوص التطبيقية، فيورد الآتي:

-« يلاحظ أن مشروع القانون يتضمن إحالات متكررة على نصوص تنظيمية في قضايا أساسية. كان من الأجدر أن يحسم فيها المشروع نفسه ضمن مقتضياته، أو على الأقل في بعضها. مما يحد من قدرته على مواكبة السياسة العمومية للدولة في مجال التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. بل ويضعف قوة الضمانات القانونية لتحقيق الأهداف المعلن عنها في نص مشروع القانون.

والحال أن القانون يمثل الهيكل العام الموجه، والنصوص التنظيمية تكمن جدواها في إصدارها الفعلي في الآجال المعقولة دون تأخير، لضمان استكمال جميع الأهداف التي يُسنّ من أجلها القانون.

من شأن هذا النقص، أن يثير واقعا مشوبا بالارتباك في التطبيقات القادمة. وبالنتيجة، إضعاف الالتقائية المنشودة بين السياسات العمومية، بل واحتمال تكريس الفجوات، خاصة في قضايا جوهرية ومصيرية ترهن حاضر ومستقبل تكوين الأجيال وتنمية البلاد ». (م.ن:12)

ويؤكد الرأي على الوضع الاعتباري للجامعة. ما يمنحها تميزا، أملته المعايير الكونية. ورد الآتي:

على مستوى استقلالية الجامعة والموقع الريادي للجامعة العمومية:

-اعتبار استقلالية الجامعة، وعلى الخصوص الجامعة العمومية على المستويات البيداغوجية والعلمية والإدارية، خيارا استراتيجيا تدعمه الدولة لضمان جودة التعليم العالي، وتعزيز دينامية البحث والابتكار، ومدخلا أساسيا

لإرساء حكامة ناجعة في منظومة التعليم العالي، على نحو يضمن لها إمكانية الاضطلاع الكامل بأدوارها العلمية والتكوينية والتنموية. وذلك ضمن إطار تعاقدي قائم على النتائج والمساءلة. ويسمح لها بالتكيف مع التحولات المجتمعية والتكنولوجية، وتطوير شراكات مبتكرة، وتعزيز قدراتها على التأطير والبحث والابتكار.

-إدماج الجامعة، بشكل ديناميكي، في مشروع مجتمعي متجدد تكون فيه الفضاء الأمثل لاستكمال تكوين جيل من الشباب المفكر؛ المواطن؛ المسؤول؛ المبدع؛ المبتكر، الذي يعي قدراته ومؤهلاته في حياته الشخصية والاجتماعية والمهنية على السواء؛

-التأكيد على الموقع الريادي للجامعة العمومية، باعتبارها ركيزة أساسية في المشروع التنموي الوطني لبلادنا. وجعلها تلعب دورا بنيويا ومحوريا كمركز للتميز الأكاديمي والعلمي. جامعة تضمن الولوج المنصف والمتكافئ والعدالة المعرفية. وترسخ الاستحقاق. وتتحمل مسؤولية إنتاج المعرفة والتكنولوجيا لخدمة المصلحة العامة. وتعمل على تكوين النخب المواطنة، مع تعزيز التنوع الاجتماعي والثقافي والمجالي».(م. ن : 16.15)

بل، انتبه إلى أبعد من ذلك، حينما أكّد على اجراءات مرتبطة بالتنزيل. إذ رتب الآتي:

«- تحديد سقف زمني ملزم لإصدار النصوص التنظيمية الواردة في مشروع القانون، مع الاتجاه نحو الحسم في القضايا الأساسية، بواسطة القانون نفسه، وإضافة مادة في الجزء العاشر منه تنص على صدور كل النصوص التنظيمية في أجل يحدده المشرع، ويدخل حيز التنفيذ بداية من صدور مشروع القانون في الجريدة الرسمية، سعيا إلى ضمان أجرأة النص القانوني في شموليته؛

– إبراز الدور الاستراتيجي للجامعة المغربية عبر مقتضيات تدعم تمتين هذا الدور. وتجعل فعليته واستمراره ممكنين. وتجعل مشروع القانون متوافقا بشكل جلي مع الرغبة في تحقيق تحول نوعي وفعلي في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

– مراعاة الانسجام مع ما ينص عليه القانون. الإطار من أهداف، وما ينص عليه الدستور من ضرورة لتحديد التوجهات العامة للمنظومة بموجب القانون. وذلك، حتى لا يكون مشروع القانون نسخة ثانية من السياقات الواردة في الرؤية الاستراتيجية للإصلاح، أو تكرارا لما ورد في القانون – الإطار، وإغفالا لضرورة تحديد التوجهات الأساسية للمنظومة، كما ينص على ذلك الدستور في الفصل (71)؛» (م.ن: 17).

بخصوص حكامة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، أوصى المجلس بالآتي:

«-إحداث مجلس ذي طبيعة استراتيجية وقوة اقتراحية وترافعية حول قضايا الجامعة، ترأسه شخصية ذات مكانة اعتبارية عالية. (ورد في الهامش2: يمكن أن يسمى “مجلس الحكماء” أو “مجلس الأمناء”.)

يُقترح أن يكون بتركيبة تتألف، إلى جانب رئيس الجامعة، من شخصيات لها مكانة متميزة، كالهيئات المنتخبة (رئيس مجلس الجهة ورئيس مجلس المدينة التي يوجد بها مقر الجامعة (العمدة)….). وشخصيات مشهود لها بالخبرة والتميز في شتى الميادين ذات الصلة بمهام منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، لاسيما المجال الاقتصادي والثقافي والفني والمجتمع المدني.

يسهر هذا المجلس على ترسيخ التجذر الترابي للجامعة، وعلى دعمها وتعزيز دورها في مواكبة التنمية الجهوية والاستجابة لحاجيات الجهة من تكوينات وتخصصات.

على أن يأخذ هذا المجلس بعين الاعتبار، في أداء مهامه وصلاحياته الاستقلالية الإدارية والأكاديمية للجامعة؛» (م.ن:21)

ويضيف:

«-إحداث مجلس للجامعة بتركيبة مخففة ومتوازنة، تراعي متطلبات النجاعة والفعالية، يرأسه رئيس الجامعة. ويتولى هذا المجلس تدبير شؤون الجامعة، بما في ذلك الجوانب العلمية والأكاديمية الموكلة إلى المجلس العلمي والأكاديمي المقترح إحداثه في مشروع القانون.

على أن يتمتع هذا المجلس بصلاحيات تقريرية حقيقية في إطار الاستقلالية، وأن تحدد مدة انتداب أعضائه في أربع سنوات؛

-تحديد في نفس النص التشريعي، أدوار ومهام هذين المجلسين على أساس التكامل والانسجام والالتقائية، ووحدة الأهداف بدون تراتبية بينهما؛

-تأكيد الاستقلالية العلمية والأكاديمية والإدارية للجامعة، طبقا للاختيارات والتوجهات العامة التي حددتها الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، ومبادئ وقواعد الحكامة التي تنص عليها مقتضيات الباب السابع من القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي؛» (م.ن:21-22).

لكنه يؤكد في الفقرة الآتية:

«كما يوصي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتعزيز دور مجلس الجامعة، فيما يتعلق بالنظر في مسطرة انتقاء المترشحين لمناصب المسؤولية في المؤسسات الجامعية. أما بالنسبة للمؤسسات غير التابعة للجامعة، فيمكن أن تعطى هذه الصلاحية لمجلس المؤسسة المعنية؛

-تحديد صلاحيات مجلس المؤسسة في مشروع القانون مع الاحتفاظ بالصبغة التقريرية لهذا المجلس بنفس الصيغة، سواء في المؤسسات الجامعية أو في المؤسسات التابعة لقطاعات حكومية أخرى غير قطاع التعليم العالي، بما يسمح بالحفاظ على المكتسبات القائمة، مع تقليص التركيبة، وتوطيد مكتسبات التدبير المشترك لهذه المؤسسات، والعمل بمبدأ التوازن؛» (م.ن: 22).

ومما يسترعي الانتباه في الرأي، تصريف لحيز مهم في تناول المنحى البيداغوجي في القانون (عندما كان مشروعا) على النحو الآتي:

«التوجه نحو الابتكار في الهندسة البيداغوجية، بهدف جعل التكوين مبنيا على تقاطع وتكامل المعارف والتخصصات، واعتماد نظام بيداغوجي يستجيب لمتطلبات التنمية الوطنيةـ وينفتح على التجارب الدولية، مع توفير الوسائل والامكانيات المناسبة لتطبيقه وتطويره بكيفية مستمرة؛

-إدماج وحدات للتعليم الرقمي في برامج التكوين، يتم بواسطة منصات للتعلم عن بعد. تخضع للاعتماد القبلي؛

-إدماج العلوم الإنسانية في التكوينات، بشكل عرضاني وكاف، باعتبارها رافعة أساسية لإعداد كفاءات قادرة على التكيف مع محيطها الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ولبناء مجتمع متوازن يربط بين التقدم العلمي والأبعاد الإنسانية الثقافية والقيمية؛

-إدراج مبدأ التناوب اللغوي، كما ورد في المادة 31 من القانون الإطار رقم 51.17 بخصوص الهندسة اللغوية الخاصة بالتعليم العالي، عبر الإقرار صراحة باعتماد لغة ثانية إلى جانب اللغة الأساسية للتدريس من أجل استعمالها في تدريس بعض الوحدات المكونة لمسالك التكوين.»(م.ن : 25).

أقف عند فقرة ” اِستخلاص بالتقرير “(رأي)، على الشكل الآتي:

-.«من زاوية حكامة التعليم العالي، أفضت قراءة المجلس لمشروع القانون إلى اقتراح المزج بين هيئتين متكاملتين ومتآزرتين وغير تراتبيتين، يتم التنصيص عليهما وعلى مهامهما وهيكلتهما ضمن النص التشريعي نفسه:

-الهيئة الأولى، تهم إحداث مجلس ذي طبيعة استراتيجية. ويتمتع بقوة اقتراحية وترافعية. تترأسه شخصية ذات مكانة اعتبارية. يواكب الجامعة. ويسهر على إنجاح تجذرها بجميع مكوناتها في محيطها الجهوي والوطني لتكون رائدة في تنمية هذا المحيط؛

-الهيئة الثانية، تتعلق بإحداث مجلس للجامعة ذي طبيعة تقريرية يرأسه رئيس الجامعة. ويراعى في تركيبته اعتبار التخفيف لأجل الفعالية والنجاعة. ويتولى تدبير شؤون الجامعة في إطار استقلاليتها. ويشمل نطاق اشتغاله، إلى جانب المهام التدبيرية، الشؤون والقضايا الأكاديمية والعلمية أيضا.

على أن تشتغل كلتا الهيئتين وفق نفس الأهداف والغايات.

وذلك، مع التأكيد على ضرورة الاحتفاظ بالصبغة التقريرية لمجلس المؤسسة، سواء في المؤسسات الجامعية، أو في المؤسسات التابعة لقطاعات حكومية أخرى غير قطاع التعليم العالي، مع تقليص تركيبته، والعمل بمبدأ التوازن في عضويته.»(م.ن: 32).

تأسيسا على ذلك، نُصرِّف ملاحظاتنا على مستوى مضمون الرأي في القانون من جهة، ومن حيث إمكانات تنزيل القانون ذاته من جهة أخرى. ذلك على الشكل الآتي:

1- كم مجلس للأمناء (الحكماء) لِكم جامعة إذن؟ سؤال وجيه عندما يُتوقع من القانون إحداث 26 جامعة بتفريع مؤسسات جامعية: العلوم الإنسانية واللغات والاقتصاد والتدبير والسياسة والقانون.. إلخ. ثم أصبح لرئيس الجامعة أو للمؤسسة الجامعية أربعة نواب.

2- وضوح الرأي في انعدام أية علاقة تراتبية (وصاية مثلا) بين المجلسين .

3- بقاء الصفة التقريرية لمجلس الجامعة مع حصر الطبيعة الاستراتيجية (بالأداء الاقتراحي والترافعي) لمجلس الأمناء، ذي دور مواكب /مصاحب.

4- يراهن الرأي على أن يكون لمجلس الأمناء دور محوري يتعلق بأجرأة مبدأ رُفع منذ منتصف الثمانيات من القرن المنصرم. هو إدماج المؤسسة الجامعية في محيطها الاقتصادي والاجتماعي.

بعد بيان اللجنة الإدارية ل 15 فبراير 2026 م، يصدر مباشرة ردٌّ عن الوزارة جاء فيه:

-« قال مصدر رفيع بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار إن الوزير ميداوي قرر إغلاق باب النقاش بشأن القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، بعدما استكمل مسطرته، في انتظار أن يصدر في الجريدة الرسمية، مبرزاً أن “مطالبة بعض قيادات النقابة الوطنية للتعليم العالي بإرجاع النص إلى الطاولة مطلب غير ذي موضوع. ولا يستند إلى أي” منطق حتى من حيث الاعراف السياسية الوطنية.

وأشار المصدر الذي تحدث إلى جريدة هسبريس الإلكترونية إلى أن “النقاش مازال ممكنا بشأن النصوص التنظيمية والتطبيقية لهذا القانون”، موردا أن “من واجب الوزارة فتح الحوار بشأنها مع المعنيين؛ لكن في المقتضيات التي تهم الأساتذة الباحثين أساساً، وليس ما يهم الجامعة، فهي مؤسسة عمومية تهم كل المعنيين، وتُمَوَّل من ضرائب المواطنين.

وأفاد مصدر الجريدة بأن “القوانين تسلك المساطر الدستورية والقانونية، وبعد استكمالها تصبح نافذة. والنصوص بعد صدورها، لا يعاد النقاش بشأنها إلا بعد تطبيقها وظهور مقتضيات ضمنها تتطلب الاستدراك أو التصويب”، وزاد مستدركا: “أما إعادة نص ما إلى الطاولة بمجرد صدوره فلم تحدث في أي بلد، وعلى الجميع أن يراعي المقتضيات الدستورية والقانونية الجاري بها العمل.” »(هسبريس عن علي بنهرار، 17فبراير 2026).

وأشار المسؤول الرفيع ضمن هياكل وزارة التعليم العالي إلى “أن النقابة المعنية تضم أحزاباً سياسية وطنية، ممثلة في البرلمان. وقد دافعت عن تصورها،” مشيراً إلى أن “ممثلي هذه الهيئات السياسية في المؤسسة التشريعية ناقشوا القانون واستفاضوا فيه ثم صوتوا عليه”، وتابع: “الديمقراطية لها قوانينها وقواعدها، والقانون له مساطره ومراحله.” (www.hespress.com/1703179.html)

ورفض مصدر هسبريس القول الرائج إن “المقاربة التشاركية لم تحترم”، مورداً أن الحوار والنقاش تم مع جميع النقابات دون استثناء، حتى النقابة المغربية الممثلة للأساتذة قدمت مقترحاتها، إلا النقابة الوطنية للتعليم العالي التي تسلمت النسخة الأولى والثانية من النص، كما تسلمت نسخة عند إحالة المشروع على البرلمان”، وتابع: “طلبنا منها تقديم ملاحظاتها، ولدينا مراسلات مكتوبة تثبت ذلك.”

واعتبر المصدر الذي رفض الكشف عن هويته “خشية تعطيل قنوات الحوار الممكنة “ان النقابة الوطنية للتعليم العالي لها رأيها وتياراتها، منها من تعترف بمؤسسات الدولة، ومنها من له مواقف واضحة، يرفض الحضور أو تقديم الملاحظات،” موردا أن: “فترة 4 أشهر بين النسخة الأولى والنهائية التي توصلت بها النقابة، كان يمكنها خلالها إرسال الملاحظات.

ومضى المسؤول ذاته شارحا “المقاربة التشاركية اعتُمدت. لكن لا يمكن للوزارة أن تنتظر إلى ما لا نهاية. فهل المطلوب هو أن تتوقف عن إعداد القانون؟” مشيراً إلى أن “المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي فيه 3 كتاب عامين سابقين للنقابة الوطنية للتعليم العالي، واشتغل لشهور على النص. وقدم توصياته. وتم الأخذ بها بحذافيرها احتراما للمؤسسات الدستورية.” (م.ن).

وأفاد المتحدث نفسه بأن “الكاتب العام للنقابة ذاتها،جرى استقباله من طرف الوزير ميداوي وبشكل شخصي أكثر من 15 مرة. آخرها الخميس الماضي. وتم إشعاره باستمرار بالاشتغال على الملف المطلبي للأساتذة الباحثين ومستجداته”، مبرزا أن “اللجان المشتركة تشتغل، وباب الحوار كان مفتوحاً دائماً، ولم يتم إغلاقه حفاظاً على النهج المشترك”(…).(م.ن).

وشدد المسؤول ذاته على التحلي بـ “المنطق العلمي والأكاديمي للوصول إلى نتائج موضوعية ومعقولة”، لافتا إلى أن “الوزارة لن تبتز الدولة لخدمة أي فئة. ولن يتم رفع أي مطلب إلى مؤسسات أخرى يحتمل تشريعاً على مقاس جهة محددة. فالجميع يشتغل في إطار المسؤولية القانونية والأخلاقية والنزاهة المطلوبة في كافة الفاعلين في أي قطاع.”(م.ن).

سنلاحظ في السياق ذاته، حركية العالم الافتراضي، عبر:

1- انتشار مكثف في مواقع التواصل الاجتماعي، للصفحة الأولى من العدد 7485 للجريدة الرسمية الحامل للتاريخ 5رمضان 1447ه/23 فبراير 2026م؛

2- انتشار واسع لقصاصة خبرية نُسبت ليومية الأخبار، التي جاء فيها الآتي:

– «علمت «الأخبار»، من مصادرها، أن إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي لعب دورا كبيرا في تهدئة الأوضاع داخل الجامعات المغربية. وذلك بتدخله للتخفيف من حدة الاحتجاجات وتأجيلها إلى ما بعد نشر القانون المتعلق بالتعليم العالي بالجريدة الرسمية. وأفادت المصادر بأن لشكر عقد اجتماعا مع الأساتذة الاتحاديين، الذين يتحكمون في القرارات داخل النقابة الوطنية للتعليم العالي، يوم 14 فبراير الجاري، بمقر الحزب بالرباط، أي قبل يوم واحد من موعد انعقاد اجتماع اللجنة الإدارية للنقابة. وطلب منهم عدم الانسياق وراء التيارات الراديكالية، التي كانت تخطط لشل الجامعات على غرار احتجاجات المحامين الذين قاموا بشل المحاكم للمطالبة بإسقاط قانون تنظيم المحاماة. وأكدت المصادر أن توجيهات لشكر نجحت في التأثير على قرارات اللجنة الإدارية للنقابة، من خلال برمجة أشكال احتجاجية عادية، في شهر مارس المقبل. »

3- اِنتشار واسع لبلاغ “السكرتارية الوطنية لتيار الأساتذة الباحثين التقدميين في النقابة الوطنية للتعليم العالي الذي انطلق مِمَّا اعتبره “فشل المكتب الوطني في تفعيل الخطة النضالية التصعيدية التي فوضت له اللجنة الإدارية صلاحية تنفيذها منذ اِجتماعها في 14 شتنبر 2025م.”

بل صوَّب انتقاده لبيان اللجنة الإدارية، كالآتي:

«غير أن الصياغة العامة لبيان اللجنة الإدارية الصادر في 15 فبراير 2026م لم تعكس حرارة الأجواء الحماسية والنقاشات الصريحة التي سادت داخل الاجتماع. ولم تتضمن الخطة النضالية التصاعدية والمواقف المعبر عنها في جل التدخلات، بل تم الالتفاف عليها وإفراغ المدخلات من حمولتها الاقتراحية الكفاحية، مما يشكل ضربا للثقة في وبين مكونات اللجنة الإدارية، ولأخلاقيات العمل النقابي الجماعي المسؤول.»

تأسيسا على ذلك، يصرف الموقف الآتي:

«بناء على ما سبق، فإن السكرتارية الوطنية الموسعة لتيار الأساتذة الباحثين التقدميين في النقابة الوطنية للتعليم العالي:

– تؤاخذ المكتب الوطني على عدم تخصيص الوقت اللازم لمناقشة مشروع البيان ولإبداء الرأي الكافي والدقيق في مضامينه حتى يعكس ما تم التداول حوله خلال الاجتماع. وتحمله المسؤولية الأخلاقية في كون البيان النهائي لم يترجم ولم ينقل بدقة إرادة أعضاء اللجنة الإدارية المعبر عنها في مجمل مداخلاتهم.

– تحذر من مغبة وتداعيات الالتفاف، أيا كان مصدره، على الإرادة الجماعية وعلى صلاحيات اللجنة الإدارية وإفراغ مداخلات أعضائها من محتواها، من أجل تسخير النقابة لأهداف تتجاوز استقلاليتها السياسية. »

جدير بالذكر أن “التيار” يشكل مُكوِّنا من المكونات الستة للمكتب الوطني للنقابة، بمثابة تشكيلة متعددة الانتماءات, تشكيلة هي تصريف سياسي سلس للمؤتمر الثاني عشر ( 19و 20 أكتوبر 2024) قصد الحفاظ على وحدة الإطار النقابي.

من المنطقي من ثم، أن يرتفع منسوب التوتر بين مكونات داخل النقابة الوطنية للتعليم العالي. يرافق ذلك، تصاعد التوتر بين النقابة من جهة، والحكومة/الوزارة من جهة أخرى.

– ما السبيل من ثم، لإنقاذ سنة جامعية بدأت متعثرة بدورة ربيعية مازالت في الأفق؟

اِنتظرت النقابة ستة شهور للحصول على الوصل (الترخيص)، كي تشتغل رسميا بإطار قانوني. إبانها تسلمت النسخة الأولى من مشروع القانون. بينما خضعت الحكومة والوزارة للإكراهات الدستورية للسنة التشريعية الأخيرة وللولاية الحكومية، بخصوص مسطرة التشريع. مما حكم تسريعها في عز عطلة الصيف. هل قبول ذلك بمثابة قدَرٍ حتَّمته ظرفية خارج الإرادة؟

في ظروف معيَّنة مرتبطة بمسؤولياتي ضمن هياكل الجامعة أو النقابة الوطنية للتعليم العالي، احتككت بوزراء. أذكر الطيِّب الشكيلي (1992-1993) وحبيب المالكي (2004-2007) ولحسن الداودي (2011-2016) وعبد اللطيف ميراوي (2021-2024) صديق الدراسة منذ الطفولة.

أما ذ. عز الدين ميداوي ( 2024-…)، فكنت أمام مسار رجل يشهد له الكثيرون؛ خصوصا أستاذا ومسؤولا إداريا. ظل دوما في موقف الترافع لصالح الجامعة العمومية ومكوناتها (أساتذة وإداريين وطلبة). خَبِر العديد من المواقع :من رئيس شعبة، وعميد ونائب رئيس جامعة، ورئيس جامعة. طيلتها لم يُسجل له سوى الموقف المساند للنقابة والمتعاطف معها.

أعتقد أن لدى عز الدين ميداوي، أستاذا ومسؤولا إداريا، مزيدا من الأوراق للإسهام بشكل فعّال و ناجع في نزع فتيل التوتر بالقطاع .

في ميزان الخطاب الرسمي للقانون إيجابيات، منها كونه:

أ- سينهي قانون 24-59 فوضى الدبلومات العشوائية، ويضع حدا للمؤسسات غير المرخصة.

ب- تعتبر الحكومة أنه كان مقابلا لزيادة 3000.00 درهم في أجور أساتذة التعليم العالي مع درجة دال وما بقي ينتظر نصوصا تطبيقية. (ستشمل الزيادة موظفين آخرين كالقضاة والقياد).

ج- مع النسخة المصادق عليها اليوم، نكون أمام صيغة رابعة: الأولى سُرِّبت عهد عبد اللطيف ميراوي، وثانية عهد عز الدين ميداوي وثالثة أحالتها الحكومة للبرلمان شهدت ترميما إذا ما قورنت بالنسخة الأولى له.

ظلت قضايا كان بالإمكان استدراكها. منها على سبيل الذكر:

1- تمثيلية الأساتذة من حيث تقليصها؛

2- تقليص تمثيلية الأساتذة بمجلس الجامعة، والحال لكل فئة مشاكلها؛

3- تصنيف مؤسسات بمثابة مؤسسات قطاعية أي غير تابعة للجامعات .

الأفق من تسريع الحوار بما يضمن:

1- توافقا “ضمنيا وعمليا” على مستوى التنزيل لبعض مواد القانون 24-59. إذ يستحيل ذلك دونما إرادة قوية للأساتذة والموظفين والطلبة.

2- معالجة الملف المطلبي في كليته، بالحسم في أقوى السيناريوهات “المتداولة”. كذلك المتعلق بحل مشكل الدكتوراه الفرنسية بالتركيز على من لم يستفد من قبل (في التفريغ من 1997وبعدها) من سنوات اِعتبارية ك (bonus) أو تصنيف فئات المعنيين بالأقدمية وفقا لمن كان غير حاصل على الرقم الاستدلالي 509،أو ذلك الذي توفر عليه وتمت إعادة ترتيبه بدرجة أعلى ضمن النظام الأساسي لهيئة الأساتذة الباحثين، مع تشديد هذا السيناريو على أن يُحدَّد السقف في تسع سنوات.

3- إصدار النصوص التنظيمية للنظام الأساسي للأساتذة الباحثين (02 غشت 2023).

نعم، ضمن القوى الحية، ليس في النقابة فحسب، وإنما الفاعلة في النقاش العام من تنظيمات وجمعيات، من يعتقد بأن القانون يتجاوز دائرة الحكومة والوزارة إلى رهان من رهانات الدولة “العميقة” (deep state) . مما فرض إعمال منطق الأغلبية البرلمانية خارج إرادة توافقية، تهدف بناء شبه إجماع عليه .

وللتذكير: على الرغم من اِستمرار الانتقادات، حصل شبه إجماع إزاء الميثاق الوطني للتربية و التكوين لسنة 2000، أو القانون 01.00 المتعلق بتنظيم العالي أو القانون الإطار 51.17 المتعلق بالمنظومة التربية و التكوين والبحث العلمي.

ثم بناءً على ذلك يتشبث الفاعلون بطرح السؤال؛

– لماذا لم تقبل الحكومة أي تعديل من التعديلات المقدمة من قبل المعارضة في غرفتي البرلمان والقانون 24-59؟

واليوم، الكل؛ حكومة ووزارة ونقابة، في مفترق الطرق، فهل من الهَيِّن تحكيم موقف دون مراعاة مصير أجيال وأُسَر ووطن بأكمله؟

حكمة سياسية ترمز إلى المرونة والذكاء في التدبير المشترك للأزمات دونما مغامرة بالمواقف الحاسمة ولا غياب احتساب للعواقب، اِعتاد معاوية بن ابي سفيان ترديدها طيلة حكم دام أربعين سنة:

« لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ كانوا إذا مدُّوها أرخيتُها، وإذا أرخوها مددتها»!

 

عبد الرحيم العماري 

عضو اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي