مغرب بعطلتين

ليست المرة الأولى التي يكتشف فيها المغاربة أنهم يعيشون داخل بلد واحد بوجهين، لكن المؤلم أن يتكرس هذا الإحساس في مناسبات يفترض أنها جامعة، دينية واجتماعية، مثل عيد الفطر. مناسبة يفترض أن تكون لحظة توازن، للراحة، للصلة، لإعادة شحن النفس الجماعية… فإذا بها تتحول إلى مرآة تعكس اختلالاً عميقاً بين مغربين: مغرب ينام مطمئناً إلى عطلة ممتدة بقرار رسمي، ومغرب آخر ينهض صباح الاثنين كأن العيد لم يكن.
قرار تمديد عطلة العيد في الإدارات العمومية، بصفة استثنائية، لم يكن في حد ذاته صادماً. فمن حيث المبدأ، لا أحد يعارض منح الموظفين فسحة إضافية للراحة بعد شهر من الصيام، خصوصاً إذا صادف العيد منتصف الأسبوع، بما يربك الإيقاع الزمني للعمل. لكن ما يثير الانتباه، بل ويطرح أكثر من علامة استفهام، هو أن هذا القرار مرّ وكأن نصف المغرب فقط معني به، بينما النصف الآخر تُرك لتقديرات أرباب العمل، أو لما تفرضه منطقية السوق، دون أي توجيه أو حتى نقاش عمومي.
وهكذا، وجدنا أنفسنا أمام مشهد غريب: إدارات عمومية مغلقة إلى غاية الثلاثاء، وموظفون يستمتعون بعطلة مطولة، مقابل قطاع خاص منقسم على نفسه؛ شركات قررت، من باب المرونة أو مراعاة لظروف العاملين، أن تمنح يوم الاثنين عطلة، وأخرى شددت على استئناف العمل بشكل عادي، وكأننا أمام عيدين مختلفين في بلدين مختلفين.
هذا التباين لا يمكن اختزاله في مجرد اختلاف تنظيمي بين القطاعين العام والخاص، فهو أعمق من ذلك بكثير. إنه يعكس خللاً بنيوياً في تصورنا للعدالة الاجتماعية، وللعلاقة بين الدولة والاقتصاد، وللمكانة الاعتبارية للعامل داخل المنظومة الإنتاجية.
في المغرب، كثيراً ما يُنظر إلى الوظيفة العمومية باعتبارها فضاءً للحماية والاستقرار، مقابل قطاع خاص تحكمه قواعد المنافسة والربح. هذا التقسيم قد يكون مفهوماً من زاوية اقتصادية، لكنه يصبح إشكالياً حين يتعلق الأمر بحقوق أساسية أو برمزية اجتماعية قوية مثل الأعياد. فالعيد ليس امتيازاً مهنياً، بل هو لحظة مجتمعية، لها نفس القيمة لدى الموظف والعامل، لدى المدير والمستخدم، لدى من يشتغل في الإدارة ومن يكدّ في المصنع أو المكتب.
حين تمنح الدولة عطلة إضافية لفئة دون أخرى، فهي، عن قصد أو غير قصد، تعيد إنتاج هذا الإحساس بالفوارق، وتغذّي شعوراً بأن هناك مواطنين من درجتين: من يستفيد من قرارات مركزية واضحة، ومن يظل رهين مزاج السوق أو “حسن نية” المشغّل.
الأخطر من ذلك أن هذا الوضع يكرّس نوعاً من “الانفصام الزمني” داخل المجتمع. أسرة واحدة قد تجد نفسها مشتتة: أب في عطلة لأنه موظف عمومي، أم تشتغل في شركة خاصة مطالبة بالعمل، أبناء في بيوت أو مدارس أو أنشطة غير متناسقة مع إيقاع العائلة. أين هي روح العيد في مثل هذا السياق؟ وأين هو المعنى الجماعي لهذه المناسبة؟
لا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى تعميم العطل بشكل عشوائي أو إلى فرض قيود إضافية على القطاع الخاص، بل بطرح سؤال بسيط: لماذا لا يكون هناك حد أدنى من التنسيق، أو رؤية وطنية موحدة، تراعي خصوصية المناسبات الكبرى؟ لماذا لا تُفتح نقاشات جدية حول ملاءمة إيقاع العمل في القطاع الخاص مع الخصوصيات الثقافية والدينية للمجتمع، دون الإضرار بالإنتاجية؟
بعض المقاولات فهمت هذا المعطى، وقررت، من تلقاء نفسها، منح موظفيها يوم راحة إضافي. ليس فقط بدافع “الإنسانية”، بل أيضاً من منطلق عقلاني: عامل مرتاح نفسياً هو عامل أكثر إنتاجية. لكن في المقابل، هناك مقاولات أخرى اختارت التشبث الحرفي بأيام العمل، وربما رأت في أي مرونة خسارة لا يمكن تحملها. بين هذين النموذجين، يغيب إطار عام يوازن بين الحق في الراحة ومتطلبات الاقتصاد.
الأمر يزداد تعقيداً حين نعلم أن شريحة واسعة من العاملين في القطاع الخاص لا تملك أصلاً القدرة على الاعتراض أو التفاوض. بالنسبة لهم، القرار بسيط: إما العمل أو المخاطرة بالوظيفة. وهنا تتجلى هشاشة الحماية الاجتماعية، ليس فقط في بعدها المالي، بل أيضاً في بعدها الزمني والإنساني.
“مغرب بعطلتين” ليس مجرد عنوان ساخر على وزن “مغرب بسرعتين”، بل هو توصيف دقيق لواقع يتكرر بأشكال مختلفة: في الأجور، في التغطية الصحية، في ظروف العمل، واليوم في أبسط تفاصيل الحياة اليومية… العطلة.
قد يقول قائل إن القطاع الخاص لا يمكن أن يُدار بنفس منطق الإدارة العمومية، وهذا صحيح جزئياً. لكن الصحيح أيضاً أن الدولة، حين تتخذ قرارات ذات أثر مجتمعي واسع، مطالبة بالتفكير في انعكاساتها على مختلف الفاعلين، لا على فئة واحدة فقط. التنسيق لا يعني الوصاية، بل يعني بناء حد أدنى من الانسجام داخل المجتمع.
في النهاية، لا أحد يطالب بأن يصبح كل المغاربة موظفين عموميين، ولا بأن تتوقف عجلة الاقتصاد في كل مناسبة. لكن ما يُطلب، ببساطة، هو الإحساس بأننا نعيش في نفس الإيقاع، في نفس الزمن، في نفس “العيد”. لأن أخطر ما يمكن أن نصل إليه، ليس فقط مغرب بسرعتين، بل مغرب بعطلتين… وربما، في العمق، مغربين لا يلتقيان إلا بالصدفة.


