رمضان بين إيمان حقيقي واستعراض جماهيري زائف

خلال كل سنة يطل علينا شهر كريم، يتعلق بشهر رمضان المبارك. خلال هذا الشهر نتغير كمجتمع إسلامي من حيث السلوك والمظهر والخطاب بشكل لافت؛ لا تتغير مواعيد الأكل فقط، بل ممارساتنا اليومية وسط الفضاء العمومي تشهد تحولاً وإيقاعاً آخر. حيث المساجد تستقبل كما هائلاً من المصلين، وعبارات الوعظ على منصات التواصل تنتشر بوفرة، والهواء عموماً، بشكل مجازي، تتفاعل فيه أحاديث الإرشاد وتُستنشق فيه الأخلاق وعبارات روح التدين، فيتحوّل المزاج الجماعي إلى حالة من الوحدة الروحية. غير أن هذا المشهد لا يستمر طيلة السنة، بل ينتهي مع انتهاء شهر الصيام. إن هذا المشهد، رغم جماله الظاهري خلال شهر نتغير فيه بشكل مرضي دينياً، إلا أنه لا يمنعنا من الاقتراب بأسئلة جادة يدفعها الفضول المعرفي وصرامة الفكر النقدي، بعيداً عن التخدير الناعم الذي تقوده العاطفة. لنقترب قليلاً ونسأل: هل نحن حقاً أمام تحسن ويقظة إيمانية، أم هي مجرد لحظة استعراض جماعي مؤقت، لفضيلة تفرضها الرقابة الاجتماعية وتغذيها ثقافة الميديا؟
بالنظر إلى ثقافة الصور، وحبنا للمشاركة بكل فعل جهراً، يصبح السلوك حينها موجهاً بنظرة الآخرين وتوقعاتهم، إذ يتحول الفعل من تعبير حر إلى أداء اجتماعي، كما شرح ذلك عالم الاجتماع الكندي إرفينغ غوفمان في حديثه عن الحياة اليومية بوصفها مسرحاً نرتدي فيه أقنعة مختلفة حسب الجمهور. إن رمضان في جوهره، كما اعتادت عليه الأسلاف السابقة، هو تجربة فردية، وعلاقة سرية تربط بين الإنسان وخالقه، تقوم على الصدق الداخلي قبل أي مظهر خارجي. غير أن الإنسان في مجتمعنا المعاصر يعيش تحت عين دائمة اسمها الجمهور. حيث لا يكتمل أي طقس إلا برضى الشبكات الاجتماعية وثقافة التراند، لم يعد الفعل يكتمل إلا بنشره، والخير لا يعتبر كذلك ما لم يُوثَّق. تُمنح الصدقات أمام الكاميرا، وتُنشر صور موائد الإفطار بعناية وجمالية مخطط لها، بينما صلاة التراويح تتحول إلى محتوى رقمي للاستهلاك وجلب الانتصار الذاتي وخلق التفاعل. هنا لا يصبح السؤال فقهياً حول مشروعية ذلك، بل نقف أمام سؤال أخلاقي صريح: هل يبقى للإخلاص وجود حين يكون الجمهور شريكاً دائماً في كل فعل؟ هذا التحول يعكس ما سماه الفيلسوف الفرنسي غي ديبور “مجتمع الفرجة”، حيث لا نعيش التجربة بقدر ما نستهلك صورتها ونعيد إنتاجها أمام الآخرين.
إننا لا ننكر أن التدين الذي يرتفع منسوبه فجأة في رمضان قد يكون دليلاً على أن الإنسان يحتاج فعلاً إلى محطة زمنية يعيد فيها ترتيب علاقته بذاته وبخالقه، غير أن المشكلة تظهر حين يتحول هذا الارتفاع إلى ضغط جماعي يفرض نمطاً واحداً من السلوك بحدة، ويجعل من لا ينسجم معه حرفياً موضوعاً للريبة أو الإدانة. في هذا الشهر، يصبح الاختلاف أكثر كلفة، والتفكير النقدي جريمة، ويشتد حضور الرقابة الأخلاقية غير المعلنة، فيشعر الفرد بأنه مراقَب بالضرورة. هنا يتداخل الإيمان مع الخوف من الحكم الاجتماعي، وتختلط الأعمال الصادقة بالرغبة في الاندماج داخل صورة الجماعة “الفاضلة”، وهو ما يجعلنا نستحضر في ذاكرتنا تحليل فيلسوفنا ميشيل فوكو لفكرة المراقبة الداخلية التي تجعل الإنسان يضبط سلوكه لأنه يعتقد أنه تحت نظر دائم.
لا يمكن تجاهل أن هذا الإحساس بالمراقبة يتغذى أيضاً من وعي عميق بنظرة الآخر. فالإنسان لا يعيش فقط أمام مراقبة الله، بل أيضاً أمام المجتمع، وكلما اشتدت نظرات الآخرين شعر بضرورة تكييف سلوكه وفق ما ينتظرونه منه. في هذه الحالة، قد يصبح التدين وسيلة لتفادي الإدانة أو لنيل الاعتراف الأخلاقي، لا مجرد تعبير حر عن قناعة داخلية. ولا يمكننا أن ننكر في هذا السياق جمال تعبير الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر، الذي رأى أن نظرة الآخر قادرة على تحويلنا إلى موضوع، فنبدأ في رؤية أنفسنا كما يرانا الآخرون، لا كما نختبر ذواتنا في عمقها.
المشكلة إذن ليست في أن نصلي أكثر في رمضان، ولا في أن نصوم جماعياً، ولا في أن نتقاسم لحظات الفرح الروحي، بل في أن يتحول الدين إلى أداة لإدارة السمعة الأخلاقية. حيث يصبح الخشوع أداءً تمثيلياً، وتتحول العبادة إلى وسيلة لبناء صورة عن الذات، نكون قد نقلنا الغاية من الاقتراب إلى الله، إلى الاقتراب إلى الجمهور، ومن الإيمان إلى الاعتراف الاجتماعي. فالإنسان لا يكتفي بأن يكون صالحاً، بل يرغب أيضاً في أن يُعترف به كصالح، و قد عبر عن ذلك الفيلسوف الألماني هيغل مشيراً إلى أن الهوية الإنسانية تتشكل عبر صراع الاعتراف ونيل التقدير من الآخرين.
إذا كان رمضان فرصة، فلتكن فرصة حقيقية، لا تمثيلية أمام أعين الآخرين. الخير لا يُقاس بعدد الصور أو الزحام في المساجد، بل بصدق الفعل وبنية صافية لا تشوبها الرغبة في الظهور. لنجعل الصدقات صامتة، والأعمال الطيبة خالصة، والصلاة عميقة، والقراءة والفكر جزءاً من تربيتنا اليومية، بعيداً عن الضوضاء الإعلامية والمظاهر الزائفة. لنعيد لأنفسنا علاقة مباشرة مع ما هو مهم: ضميرنا، إخلاصنا، وعلاقاتنا بالآخرين بصدق. إذا قمنا بفعل ذلك، سنجد أن رمضان لم يكن مجرد شهر نمر عليه، بل محطة لتغيير حقيقي، لا تختفي مع انطفاء الأضواء، بل تبقى فينا كل يوم من أيام السنة.


