إقتصاد

حارس المعبد وأثرياء شارع مكة

في مدينة اعتادت أن تُدار أحياناً بمنطق النفوذ أكثر مما تُدار بمنطق القانون، يبرز رجل في الوكالة الحضرية للدار البيضاء بثقة عالية وهدوء صارم ونظافة يد لا تخطئها العين. رجل لا يرفع صوته كثيراً، لكنه حين يوقّع أو يرفض، فإن قراره يُسمع في القاعات المغلقة كما يُسمع في الصالونات الفاخرة الممتدة على طول شارع مكة، حيث يسكن أثرياء المدينة وتُصنع بعض قراراتها غير المعلنة.

يسمّيه بعضهم، بقدر من التهكم واعتراف مبطن، “حارس المعبد”. ليس لأنه يحرس حجراً أو بناية، بل لأنه يحرس فكرة القانون نفسها، ويقف عند حدود النصوص التنظيمية كأنها خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها، مهما كان اسم صاحب المشروع أو وزن هاتفه في دفتر العلاقات.

الدار البيضاء ليست مجرد مدينة، بل اقتصاد قائم بذاته، وعقار متحرك، وشهية مفتوحة للاستثمار. لكنها أيضاً مجال خصب لكل أشكال الضغط والوساطة، حيث يعتقد كثيرون أن كل شيء قابل للتفاوض، حتى القانون نفسه. في هذا السياق، يصبح وجود مسؤول إداري يرفض الانخراط في لعبة الريع حدثاً استثنائياً، بل مربكاً. أثرياء شارع مكة، الذين تعوّد بعضهم على تليين المساطر وتسريع الملفات وتفصيل التصاميم على مقاس الاستثمارات، وجدوا أنفسهم أمام رجل لا يمكن شراء وقته ولا قراره ولا توقيعه.

هو ليس عدواً للاستثمار ولا خصماً للمال، لكنه خصم للالتفاف على القانون. يستمع بهدوء، يدوّن، يراجع الوثائق، ثم يجيب بجملة واحدة تكفي لإغلاق الباب أو فتحه: القانون واضح. في مدينة اعتادت على المرونة المفرطة، تبدو هذه العبارة كأنها صدمة باردة.

في ثقافة الريع، تصبح الاستقامة استفزازاً، ويصبح المسؤول النزيه مشكلة ينبغي التعامل معها. لذلك لم يكن غريباً أن يثير هذا الرجل انزعاجاً في دوائر معينة من المال والعقار، حيث تُقاس الأمور بحسابات النفوذ لا بحسابات النصوص القانونية. لكن paradox الدار البيضاء أن المدينة نفسها تحتاج إلى هذا النوع من “الحراس”. تحتاج إلى مسؤولين لا يضعون توقيعاتهم في السوق، ولا يحوّلون المرفق العمومي إلى باب خلفي للصفقات الرمادية، ولا يتعاملون مع القانون كاقتراح قابل للتعديل حسب المتصل.

لا يخرج هذا الرجل في مؤتمرات صحفية ليعلن الحرب على الفساد، ولا يكتب تدوينات نارية عن الشفافية، ولا يتاجر بصورة “المنقذ”. قوته في صمته، وفي الملفات التي تُعالج بالمسطرة الصحيحة، وفي المشاريع التي تُرفض لأنها لا تحترم الضوابط، وفي أخرى تُقبل لأنها تستوفي الشروط. في زمن الخطابات الكبيرة، يشتغل بمنطق التفاصيل الصغيرة: وثيقة، توقيع، ملاحظة تقنية، إحالة على نص قانوني. هكذا تُبنى الدول، وهكذا تُحمى المدن من التحول إلى غابة إسمنتية بلا قواعد.

شارع مكة، بما يرمز إليه من ثراء ونفوذ وشبكات مصالح، ليس عدواً للدولة ولا للقانون. لكنه، مثل كل فضاء للمال الكبير، يحتاج إلى توازن يحمي المدينة من أن تُختطف. وجود “حارس المعبد” في الوكالة الحضرية ليس عائقاً أمام الاستثمار، بل ضمانة له، لأن المستثمر الحقيقي يحتاج إلى قواعد واضحة ومستقرة، لا إلى صفقات تحت الطاولة يمكن أن تنهار في أي لحظة.

الرجل الذي يقود الوكالة الحضرية بهذه الجرأة والنزاهة هو استثناء إيجابي، لكنه لا يجب أن يكون استثناءً. الدار البيضاء، والمغرب عموماً، بحاجة إلى منظومة كاملة من “حراس المعابد”: في الجماعات، في الوزارات، في المؤسسات العمومية، في القضاء، وفي الإعلام. حارس المعبد ليس بطلاً أسطورياً، بل موظفاً عمومياً يؤدي واجبه دون أن يبيع ضميره. لكنه، في زمن الالتباس، يصبح بطلاً دون أن يقصد.

وربما أكثر ما يخيف بعض أثرياء شارع مكة ليس رفض ملف هنا أو هناك، بل فكرة أن زمن “كل شيء قابل للتفاوض” يقترب من نهايته، وأن المدينة بدأت تستعيد شيئاً من منطق الدولة، حيث المال يحترم القانون، لا العكس.