كفاءات على الورق وأزمات في الميدان

منذ تعيين هذه الحكومة، جرى تسويقها للرأي العام باعتبارها “حكومة كفاءات”، قادرة على تجاوز أعطاب التدبير السياسي التقليدي، وتحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي، وإعادة الثقة للمواطن المغربي في المؤسسات. غير أن الواقع اليومي للمغاربة، بعد سنوات من التدبير، يكشف مفارقة صادمة بين الصورة التي رُوِّجت إعلامياً، والحصيلة الميدانية التي يعيشها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
لقد تحولت كلمة “الكفاءة” في الخطاب السياسي المغربي إلى شعار فضفاض يُستعمل أحياناً لتبرير إقصاء السياسة نفسها، وكأن امتلاك شهادة عليا أو تجربة في عالم المال والأعمال يكفي لتدبير مجتمع معقد، مليء بالانتظارات والتناقضات والأزمات. والحقيقة أن تدبير الدولة لا يحتاج فقط إلى تقنيين وخبراء، بل إلى رجال ونساء يمتلكون رؤية سياسية، وحساً اجتماعياً، وقدرة على الإنصات والتفاعل مع نبض الشارع.
المشكل الأساسي ليس في وجود الكفاءات من عدمها، بل في نوع الكفاءة المطلوبة. فهل الكفاءة تعني فقط إتقان لغة الأرقام والمؤشرات؟ أم تعني القدرة على فهم معاناة المواطن البسيط، واستيعاب التحولات الاجتماعية، وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية أمام الشعب؟
لقد أظهرت عدة محطات أن الحكومة الحالية نجحت أكثر في إنتاج الخطاب التواصلي، وفشلت في تدبير الأزمات الحقيقية. فارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، واستمرار البطالة، واحتقان قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، كلها مؤشرات تؤكد أن “الكفاءة” التي تم الترويج لها لم تنعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين.
في قطاع التعليم مثلاً، ورغم الحديث المتكرر عن الإصلاحات الكبرى، لا يزال الأستاذ يعيش حالة من التوتر وعدم الاستقرار، بينما تعاني المدرسة العمومية من أعطاب بنيوية عميقة. أما في قطاع الصحة، فقد كشفت الوقائع اليومية هشاشة المنظومة الصحية، وعجزها عن ضمان الحد الأدنى من العدالة العلاجية بين المغاربة.
الأخطر من ذلك، أن بعض الوزراء قدموا أنفسهم باعتبارهم “مدراء شركات” أكثر من كونهم مسؤولين سياسيين. وهنا يظهر الخلط الكبير بين منطق المقاولة ومنطق الدولة. فالدولة ليست شركة هدفها تحقيق الأرباح وتقليص الخسائر فقط، بل مؤسسة اجتماعية وسياسية وأخلاقية، وظيفتها الأساسية حماية التوازن المجتمعي وتحقيق العدالة والكرامة للمواطنين.
إن اختزال السياسة في لغة التدبير التقني فقط، يؤدي تدريجياً إلى إفراغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي. فالحكومة ليست مكتب دراسات، بل تعبير عن اختيارات سياسية واجتماعية كبرى، يجب أن تنحاز للطبقات المتوسطة والفقيرة، لا أن تتحول إلى واجهة لتبرير القرارات غير الشعبية بلغة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية.
ثم إن الكفاءة الحقيقية تُقاس بالنتائج، لا بالسير الذاتية اللامعة. فكم من مسؤول يملك شهادات وخبرات دولية، لكنه يفشل في التواصل مع المواطنين، أو يعجز عن اتخاذ قرارات جريئة في اللحظات الصعبة. وكم من فاعل سياسي بسيط استطاع بحكم قربه من الناس أن يحقق أثراً أكبر من عشرات الخبراء والتقنيين.
المواطن المغربي اليوم لا يبحث عن حكومة تجيد الحديث عن الإنجازات بقدر ما يبحث عن حكومة يشعر بوجودها في واقعه اليومي؛ حكومة تخفف عنه ضغط المعيشة، وتحمي كرامته، وتفتح أمام أبنائه أبواب الأمل. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة هو اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي.
لقد أثبتت التجارب السياسية عبر العالم أن الكفاءة بدون حس سياسي قد تتحول إلى بيروقراطية باردة، وأن الخبرة بدون رؤية اجتماعية قد تنتج قرارات قاسية ومعزولة عن الواقع. فالحكومات الناجحة ليست فقط تلك التي تضم “خبراء”، بل تلك التي تمتلك الشجاعة السياسية والقدرة على بناء الثقة مع المجتمع.
إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى “كفاءات فوق الورق” فقط، بل إلى نخب سياسية تمتلك الجرأة على الاعتراف بالأخطاء، والقدرة على الإصلاح الحقيقي، والإيمان بأن التنمية ليست أرقاماً تُعرض في التقارير، بل شعور يومي بالكرامة والعدالة والأمان الاجتماعي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل نحن أمام حكومة كفاءات فعلاً؟ أم أمام تسويق سياسي ذكي لصورة تقنية تخفي أزمة عميقة في الفعل السياسي والتدبير العمومي؟


