السلطة الرابعة

العرايشي يوجه ضربة قاضية لخيار

في كواليس الإعلام العمومي المغربي، لا تمرّ التحركات المهنية الكبرى دون أن تحمل رسائل سياسية ومؤسساتية عميقة. وما جرى خلال الأيام الأخيرة داخل دهاليز الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ليس مجرد تعيين إعلامي عادي، بل خطوة محسوبة بدقة تحمل عنواناً واضحاً: إعادة ترتيب التوازن داخل المشهد السمعي البصري… وتوجيه ضربة جديدة لمدير قناة الأخبار السابق حسن خيار.

الخبر الذي بدأ يتسرب بهدوء قبل أن يتحول إلى حديث الصالونات الإعلامية، يتعلق باستقطاب الصحافي يوسف بلهيسي إلى القناة الأولى لتقديم برنامج حواري جديد يحمل عنوان “للحديث بقية”، يُبث مساء كل خميس. اختيار لم يكن اعتباطياً، بل يعكس إرادة واضحة لدى الإدارة العامة لإعادة الاعتبار لأسماء إعلامية صنعت الفرق مهنياً قبل أن تجد نفسها ضحية حسابات ضيقة داخل مؤسسات أخرى.

بلهيسي لم يكن اسماً عادياً في قناة ميدي1 تي في. فقد شكل لسنوات أحد أبرز وجوهها الحوارية، مقدماً برامج سياسية أثارت النقاش العمومي ورفعت نسب المتابعة، قبل أن يدخل في أزمة شهيرة انتهت بقرار طرده خلال فترة إدارة حسن خيار. قرارٌ تحول لاحقاً إلى عبء مالي ثقيل على القناة، بعدما أنصف القضاء الصحافي بلهيسي بحكم قضائي كلّف المؤسسة ملايين السنتيمات تعويضاً عن الطرد التعسفي.

ذلك الحكم لم يكن مجرد خسارة مالية، بل كشف خللاً عميقاً في تدبير الموارد البشرية داخل المؤسسة الإعلامية، حيث تحولت القرارات المهنية إلى ردود أفعال شخصية، أدت إلى نزيف مالي وصورة مهزوزة أمام الرأي العام الإعلامي.

اليوم، يعود بلهيسي من الباب الكبير. لكن عودته هذه المرة لا تمر عبر قناة خاصة، بل من خلال التلفزيون العمومي نفسه، وتحديداً القناة الأولى، في خطوة يقرأها كثيرون على أنها رسالة مباشرة من فيصل العرايشي، الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، مفادها أن الكفاءة المهنية لا تموت، وأن الزمن كفيل بإعادة الاعتبار لمن تم إقصاؤهم خارج منطق المؤسسات.

العرايشي، الذي يقود منذ سنوات مشروع إعادة هيكلة الإعلام العمومي، يبدو أنه اختار هذه المرة الرد بلغة هادئة ولكن مؤلمة. فاستقطاب صحافي أُبعد سابقاً بقرار مثير للجدل، ثم منحه برنامجاً أسبوعياً على شاشة القناة الأولى، يعني عملياً إعادة كتابة الرواية المهنية كاملة.

الأكثر إثارة أن مصادر متطابقة داخل القطاع السمعي البصري تتحدث عن احتمال اقتراب بلهيسي من إدارة قناة ريجي 3 مستقبلاً، وهو ما قد يشكل الصفعة الثانية لحسن خيار، بعدما تحوّل الاسم الذي أُبعد بالأمس إلى رهان مؤسساتي داخل الإعلام العمومي.

هذه التحركات تعكس تحوّلاً أعمق من مجرد انتقال إعلامي. فالمشهد اليوم يشهد صراعاً بين منطقين: منطق التدبير الإداري المغلق الذي يعتمد الإقصاء، ومنطق الاستثمار في الكفاءات مهما كانت الخلفيات والخلافات السابقة.

ولعل الرسالة الأبرز التي يبعثها العرايشي من خلال هذه الخطوة هي أن الإعلام العمومي لم يعد يحتمل القرارات الانفعالية التي تكلف المؤسسات سمعتها وميزانيتها معاً. فالرهان الجديد يقوم على استرجاع الثقة، وتقديم وجوه قادرة على خلق نقاش حقيقي يعيد المشاهد إلى شاشة التلفزيون الوطني في زمن المنافسة الرقمية الشرسة.

برنامج “للحديث بقية” قد يبدو مجرد موعد أسبوعي جديد في البرمجة، لكنه في الواقع عنوان مرحلة مختلفة: مرحلة تصفية إرث أخطاء الماضي، وإعادة توزيع الأدوار داخل بيت إعلامي ظل طويلاً مسرحاً للصراعات الصامتة.

وفي انتظار أول حلقة مساء الخميس، يبدو أن الرسالة وصلت بوضوح داخل الوسط الإعلامي: القرارات المهنية لا تُقاس بلحظتها فقط، بل بما تتركه من آثار… وبعض الضربات تأتي متأخرة، لكنها تكون قاضية.