لقاءات علمية في رمضان

طلوع عبدالإله
في سياق أكاديمي يتسم بتسارع التحولات وتعقّد الإشكاليات القانونية والإدارية والمالية، يبرز من جديد الموعد الرمضاني الذي دأب مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية على تنظيمه بشراكة مع الشبكة الدولية للباحثين، معلناً انطلاق الموسم الخامس من حلقاته النقاشية العلمية. مبادرة لم تعد مجرد نشاط ظرفي مرتبط بزمن معين، بل تحولت إلى تقليد بحثي راسخ يعكس وعياً مؤسساتياً بأهمية ترسيخ ثقافة الحوار العلمي الرصين.
مسار تراكمي ورؤية واضحة
يشكل هذا الموسم امتداداً لتجربة علمية تراكمت عبر سنوات، نجحت خلالها الحلقات الرمضانية في بناء فضاء أكاديمي تفاعلي يجمع بين التحليل النظري العميق واستحضار الأبعاد التطبيقية للقضايا المطروحة. فقد استطاعت المواسم السابقة أن تؤسس لنمط من النقاش الهادئ القائم على تعدد المقاربات وتكامل الرؤى، بعيداً عن السجالات السطحية أو الطروحات الانطباعية.
ويأتي الموسم الخامس ليعزز هذا المسار، من خلال برمجة موضوعات دقيقة ترتبط بمستجدات التشريع، وإشكالات الحكامة والتدبير العمومي، وتحديات المالية العامة، فضلاً عن التحولات الرقمية وتأثيراتها على البنيات القانونية والمؤسساتية. وهي قضايا لم تعد شأناً نظرياً محضاً، بل أضحت تمس جوهر الإصلاحات والسياسات العمومية.
نقاش علمي يواكب التحولات
ترتكز فلسفة هذه الحلقات على مقاربة تحليلية لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تسعى إلى تفكيكها واستشراف مآلاتها واقتراح بدائل عملية. فالنقاش العلمي، كما يتصوره المنظمون، هو آلية لفهم التحولات واستباق تحدياتها، ومجال لإنتاج معرفة قادرة على الإسهام في تطوير المنظومة القانونية والإدارية والمالية.
وتمنح الجلسات مساحة مهمة للتفاعل بين المتدخلين والحضور، بما يعزز روح التفكير النقدي ويكرس مبدأ الحوار الأكاديمي المسؤول. كما تشكل منصة لتقريب وجهات النظر بين الباحثين من تخصصات مختلفة، وهو ما يثري النقاش ويمنحه بعداً تكاملياً.
جسر بين الأجيال الأكاديمية
من أبرز ما يميز هذا البرنامج قدرته على الجمع بين أجيال متعددة من الباحثين؛ حيث يلتقي الأستاذ الجامعي المتمرس بالباحث الشاب، ويتفاعل الطالب الباحث مع الخبراء والمتخصصين. هذا التداخل بين الخبرة والطموح يُنتج قيمة علمية مضافة، ويُسهم في نقل التجربة وتوسيع دوائر الاهتمام البحثي.
كما يفتح البرنامج آفاقاً لتعزيز التعاون العلمي داخل الوطن وخارجه، عبر بناء شبكة تواصل أكاديمي تتجاوز الحدود المؤسساتية والجغرافية، وتخدم إشعاع البحث العلمي وجودة مخرجاته.
رمضان… زمن التأمل وإحياء المعنى
اختيار شهر رمضان لاحتضان هذه الحلقات ليس اعتباطياً، بل ينطلق من تصور يعتبر أن روحانية الشهر تشكل أرضية ملائمة للتأمل الفكري الهادئ. ففي أجواء يغلب عليها الصفاء والتركيز، يصبح النقاش العلمي أكثر عمقاً واتزاناً، وتغدو المعرفة ممارسة قيمية تتجاوز بعدها التقني.
إن الجمع بين روحانية الشهر وعمق الفكر القانوني يمنح لهذه المبادرة خصوصيتها، ويؤكد أن البحث العلمي ليس نشاطاً منفصلاً عن السياق المجتمعي، بل هو جزء من مشروع أوسع لبناء وعي مؤسساتي مستنير.
رهان مستمر على المعرفة
ومع انطلاق الموسم الخامس، يتأكد أن هذا الموعد العلمي أصبح محطة سنوية راسخة في الأجندة الأكاديمية، ودليلاً على أن الاستثمار في المعرفة يظل خياراً استراتيجياً. فترسيخ تقاليد النقاش الرصين، وتشجيع الإنتاج الفكري الجاد، وبناء فضاءات حوارية منتظمة، كلها رهانات تسهم في تعزيز جودة البحث العلمي وتطوير المنظومة القانونية والمؤسساتية.
وسيُبث البرنامج طيلة شهر رمضان عبر الصفحات الرسمية للجهتين المنظمتين، في دعوة مفتوحة إلى الطلبة والباحثين والمهتمين للانخراط في هذه الدينامية العلمية، والمساهمة في إثراء نقاش يُراد له أن يكون مسؤولاً، عميقاً، ومنتجاً للمعرفة.


