المغرب

أزمور..ذاكرة تُطمس وتاريخ يُهان

رغم ما تزخر به من مؤهلات تاريخية وحضارية، تعيش مدينة أزمور اليوم على هامش الاهتمام الوطني والمحلي، غارقة في التهميش، الإهمال، وسوء التسيير. المدينة التي شكلت عبر قرون نقطة إشعاع حضاري وثقافي، تحولت إلى فضاء مهمل تتآكل فيه معالم التاريخ، وتتسع فيه دوائر التراجع الاجتماعي والانحراف.

أسوار المدينة تتآكل، والدور الآيلة للسقوط تملأ المشهد، في حين لا تتوفر أزمور سوى على بنية سياحية جد محدودة، ومرافق اجتماعية بالكاد تفي بالحاجيات الأساسية للساكنة، المقدرة بحوالي 45 ألف نسمة.

يقول الحاج عبد السلام، أحد أبناء المدينة: “كنا ننتظر أن تتحول أزمور إلى جوهرة على ضفاف أم الربيع، لكننا وجدنا أنفسنا نعيش في مدينة تُقتل ببطء، لا مشاريع، لا فرص، ولا حتى احترام لتاريخنا.”

المجالس المنتخبة المتعاقبة لم تكن في مستوى تطلعات الساكنة. فمنذ بداية التسعينات، توالى على المدينة أكثر من ستة رؤساء جماعات، دون أن يُسجل أي تحسن ملموس في مؤشرات التنمية. بعض المشاريع لم تتجاوز حدود الوعود، وأخرى توقفت في منتصف الطريق بسبب ضعف التتبع أو غياب التمويل.

من جهته، يقول شاب من حي الشعيبات، فضّل عدم ذكر اسمه: “المناطق الشعبية هنا أصبحت مرتعاً للدعارة، وكل شيء يحدث أمام أعين الجميع. لا أمن، ولا جمعيات نشيطة، ولا بدائل ترفيهية أو ثقافية. الشباب ضايع.”

وتُجمع شهادات متطابقة من السكان على تنامي ظاهرة الشعوذة، حيث تنتشر ممارسات السحر والدجل، خصوصاً في الأحياء القديمة وقرب الزوايا، مستغلةً هشاشة الوعي، وفقر الخدمات الصحية والنفسية. كما تؤكد معطيات غير رسمية وجود شبكات للدعارة المقنّعة تنشط في بعض المنازل والحمامات التقليدية، في ظل غياب تدخل حازم من الجهات المختصة.

قطاع الثقافة شبه منعدم، والمكتبة الوحيدة بالمدينة مغلقة منذ سنوات، في حين اختفت التظاهرات الكبرى التي كانت تملأ المدينة بالحياة. مهرجان “الرحالة”، الذي كان متنفساً فنياً، أصبح مجرّد مناسبة مناسباتية تُنظم بميزانية ضخمة دون أثر ملموس على أرض الواقع.

أزمور لا تطالب بالمستحيل، بل بالإنصاف: إنقاذ ما تبقى من معالمها التاريخية، خلق فرص حقيقية للشباب، محاربة الظواهر المشينة، وتوفير شروط العيش الكريم. هذه مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة، والمجالس المنتخبة، والمجتمع المدني.

في انتظار صحوة حقيقية، سيظل صدى التهميش يتردد بين الأزقة القديمة، شاهداً على زمن تُرك فيه التاريخ ليتلاشى، والمدينة لتغرق في صمتها الموجع.