افتتاحية

روح الفريق

أكثر من عقد زمني منذ كتابة أول مقال صحافي وإنجاز أول روبورطاج وحوار، مررت من تجارب عديدة قبل أن أصل اليوم إلى أن أكون صاحب مشروع إعلامي ومديرا لنشر صحيفتين بالعربية والفرنسية. طيلة هذه السنوات كنت أطمح للعمل مع فريق يحترم المهنة، يكون هدفه هو العمل وتقديم المنتوج بعيداً عن منطق التملق والتسلق.

وجدت ذلك لأول مرة مع فريق العمل في برنامج “سكانير” بقيادة المايسترو خالد الكيراوي والأستاذ ماء العينين عناني والراقية خولة دحو التي كانت لسنوات سندا حقيقيا في سياق تعلم حرف الصحافة قبل عشر سنوات من الآن.

سلاسة في التواصل، توافق تام على المواضيع والضيوف، وابتسامات على محيّا الجميع.

لكن ما وراء هذه الصورة البسيطة هو ما يصنع الفارق. فـ”روح الفريق” ليست مجرد عبارة تُستهلك في الخطابات، بل ممارسة يومية تتجلى في احترام الوقت، وفي تقاسم الأدوار دون حساسية، وفي الإيمان بأن نجاح الحلقة هو نجاح للجميع، وأن أي خطأ هو مسؤولية جماعية لا يُرمى على عاتق فرد بعينه.

في كل حلقة من برنامج سكانير الذي يُبث عبر أثير إذاعة إم إف إم، كنت أستشعر معنى أن تشتغل وسط منظومة منسجمة. خالد الكيراوي لا يقود فقط بالنبرة الإذاعية الواثقة، بل بروح القائد الذي يمنح المساحة للجميع. ماء العينين عناني يضفي عمقا تحليليا يوازن النقاش، بينما تمنح خولة دحو للحوار بعده الإنساني الهادئ. أما أنا، فأجد نفسي داخل هذا النسيج لا كضيف عابر، بل كجزء من آلة متناغمة تعرف متى ترفع الإيقاع ومتى تخفضه.

روح الفريق تعني أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نناقش دون أن نتنازع، وأن نبحث عن الفكرة الأقوى لا عن الصوت الأعلى. في زمن يسهل فيه السقوط في فخ النجومية الفردية، يثبت العمل الجماعي أن البقاء للأكثر انسجاما لا للأكثر ضجيجا.

تعلمت من هذه التجربة أن الإعلام ليس سباقا فرديا نحو الأضواء، بل بناء تراكمي تُشيد لبناته بتعاون صادق. وأن الجمهور، مهما بدا منشغلا، يلتقط تلك الكيمياء الخفية بين أفراد الفريق؛ يلمس الصدق في الضحكة، والاحترام في المقاطعة المهذبة، والاحتراف في إدارة الاختلاف.

ربما اشتغلت مع مؤسسات ومنابر متعددة، وخضت تجارب فيها النجاح كما فيها التعثر، لكن ما يميز هذه المرحلة هو الشعور بأنك لست وحدك في الميدان. هناك من يسندك حين تتعب، ويكملك حين تنسى، ويصححك حين تخطئ دون أن يُشعرك بالنقص.

تلك هي روح الفريق التي بحثت عنها طويلا. روح تُعيد للإعلام معناه النبيل: خدمة النقاش العمومي، وإسماع الصوت بعقلانية، وتقديم مادة تحترم ذكاء المستمع. وحين تتوفر هذه الروح، يصبح العمل متعة، ويغدو النجاح نتيجة طبيعية لا هدفا متكلفا.

في النهاية، قد تُنسب البرامج إلى أسماء، لكن الحقيقة أن ما يبقى هو أثر الجماعة. أثر فريق آمن بأن التعاون قيمة، وبأن الإعلام رسالة، وبأن أجمل النجاحات تلك التي نتقاسمها.