أسئلة في زمن الحساسية: من يحمي الثوابت ومن يعيد تعريفها؟

سعيد حفيظي
في لحظات الهدوء، تبدو الأشياء مستقرة كما ينبغي: بلد له ثوابته، ومؤسساته، وتاريخه الممتد في التعايش. لكن ما إن تتراكم الإشارات الصغيرة، حتى يتحول الهدوء إلى قلق، ويتحول القلق إلى سؤال كبير لا يمكن القفز عليه: هل ما زال الميزان متوازنًا فعلًا، أم أن الكفة بدأت تميل دون إعلان؟
ليس النقاش هنا عن وقائع منفصلة، ولا عن قرارات إدارية يمكن تبريرها بسهولة بلغة القوانين واللوائح. النقاش أعمق من ذلك. هو نقاش عن الإحساس العام، عن تلك القراءة الشعبية التي لا تُدوَّن في التقارير الرسمية، لكنها تُتداول في المجالس، وتكبر في الصمت، وتجد لنفسها تعبيرًا في كل حدث يبدو، في ظاهره، معزولًا.
حين تُغلق بعض دور القرآن، أو تُقيَّد أنشطة دينية بدعوى التنظيم، قد تكون للدولة مبرراتها، وقد تكون هذه المبررات وجيهة في سياقها القانوني. لكن المواطن البسيط لا يقرأ النصوص، بل يقرأ الرموز. وحين تتكرر هذه الرموز في اتجاه واحد، يتشكل لديه انطباع بأن هناك تضييقًا، حتى وإن لم يكن ذلك هو القصد المعلن.
الأمر نفسه ينطبق على الاعتكاف، وعلى بعض مظاهر التدين التي كانت، إلى وقت قريب، جزءًا طبيعيًا من المشهد الرمضاني. حين تُقيَّد، يُفهم ذلك—شعبيًا—ليس كتدبير ظرفي، بل كتحول في المزاج العام تجاه الدين في الفضاء العمومي. وهنا تبدأ الأسئلة التي لا تُطرح في العلن، لكنها تُقال همسًا: هل نحن أمام إعادة تعريف غير معلنة لمكانة الدين في المجتمع؟
في الجهة المقابلة، يبدو المشهد مختلفًا. فضاءات إعلامية تُفتح لخطابات نقدية حادة، بل أحيانًا مستفزة، تمس المقدس بشكل مباشر. شخصيات تتبنى أطروحات صادمة تُقدَّم تحت عنوان حرية التعبير. نقاشات تُدار أحيانًا دون سقف واضح، في قضايا حساسة تمس وجدان الأغلبية.
مرة أخرى، قد يُقال إن هذا جزء من الانفتاح، ومن التعدد الفكري الذي لا يمكن مصادرته. وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن الإشكال لا يكمن في وجود هذا الصوت، بل في حضوره المكثف، وفي غياب التوازن الذي يجعل منه صوتًا ضمن أصوات، لا صوتًا طاغيًا يوحي بأن هناك توجهًا ما يُراد تكريسه.
ثم تأتي الصور التي تختصر كل هذا الجدل في لحظة واحدة: طقوس دينية لغير المسلمين تُمارس في الفضاء العام، بحرية، وربما بحضور لافت. في بلد له تاريخ طويل في احتضان مكوناته المختلفة، لا ينبغي أن يكون هذا الأمر مفاجئًا. فاليهود المغاربة، مثلًا، كانوا دائمًا جزءًا من هذا النسيج، وطقوسهم لم تكن يومًا غريبة عن الأرض التي عاشوا فيها.
لكن الإشكال، مرة أخرى، ليس في الفعل ذاته، بل في سياقه. حين تأتي هذه الصور في لحظة يشعر فيها جزء من المجتمع بأن ممارساته الدينية تُقيَّد، فإنها لا تُقرأ كدليل تسامح فقط، بل كدليل على مفارقة مؤلمة: لماذا يبدو أن هناك من يُمنح مساحة أوسع، بينما يُطلب من الآخر أن يتراجع خطوة إلى الخلف؟
هذا السؤال، حتى وإن كان مبنيًا على انطباع أكثر منه على معطيات دقيقة، يظل سؤالًا مشروعًا من زاوية علم الاجتماع السياسي. لأن الدول لا تُدار فقط بالقوانين، بل أيضًا بالإحساس العام بالعدل. والعدل، كما هو معروف، ليس فقط أن يكون موجودًا، بل أن يكون مرئيًا ومُدرَكًا.
المشكلة الكبرى في مثل هذه الحالات ليست في القرارات نفسها، بل في غياب السردية التي تفسرها. حين تغيب الشفافية، يملأ الفراغ التأويل. وحين يغيب التواصل، تتكاثر الشائعات. وحين لا تُشرح الخلفيات، يتحول كل قرار إلى مادة للريبة.
في هذا السياق، يصبح من السهل على البعض أن يبني خطابًا قائمًا على المقارنة الحادة: دين يُحاصر، وآخر يُحتفى به. وهي مقارنة، حتى وإن كانت تبسيطية، تجد صدى لأنها تخاطب شعورًا حقيقيًا لدى فئات من المجتمع.
لكن، في المقابل، من الخطأ أيضًا السقوط في قراءة أحادية ترى في كل مظاهر التعدد تهديدًا، أو في كل مساحة تُمنح لغير الأغلبية استفزازًا مقصودًا. فالمغرب، تاريخيًا، لم يكن بلدًا مغلقًا، ولم تُبنَ هويته على الإقصاء، بل على التعايش. وهذا الرصيد ليس تفصيلًا هامشيًا، بل جزء من قوته الناعمة، ومن صورته في العالم.
التحدي، إذن، ليس في الاختيار بين الهوية والانفتاح، بل في القدرة على الجمع بينهما دون أن يطغى أحدهما على الآخر. أن يشعر المتدين بأن فضاءه مصون ومحترم، دون أن يُطلب منه الانغلاق. وأن تُمارس الأقليات حقوقها في إطار واضح، دون أن يتحول ذلك إلى مصدر توتر.
الأمر يحتاج إلى أكثر من مجرد قرارات إدارية. يحتاج إلى رؤية متكاملة، تُدرك حساسية اللحظة، وتفهم أن إدارة المجال الديني ليست شأنًا تقنيًا فقط، بل شأنًا رمزيًا بامتياز. كل خطوة فيه تُقرأ، وكل إشارة تُؤوَّل، وكل صمت يُفسَّر.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة في وجود دين يُحارب وآخر يُسمح له، كما يُقال في الخطاب المتداول. وقد تكون الصورة أكثر تعقيدًا مما يبدو. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن هناك إحساسًا يتشكل، وسردية تُبنى، وإذا لم يتم الانتباه إليها، فقد تتحول إلى قناعة راسخة يصعب تفكيكها لاحقًا.
وأخطر ما في الأمر، أن القناعات حين تستقر، لا تعود تحتاج إلى أدلة. يكفيها الشعور.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على ضبط القرارات، بل على إعادة بناء الثقة. والثقة، كما هو معروف، لا تُفرض، بل تُكتسب بالتوازن، وبالوضوح، وبالعدل الذي لا يترك مجالًا للالتباس


