السل في المغرب بالأرقام..ارتفاع مقلق والدخان يزيد الخطر

لم يعد الحديث عن داء السل في المغرب مجرد تحذير نظري، بل واقع تؤكده الأرقام. فحسب المعطيات الحديثة، تم تسجيل حوالي 33 ألف حالة سنويًا، بمعدل يقارب 92 حالة لكل 100 ألف نسمة. هذه الأرقام تضع المرض ضمن التحديات الصحية المستمرة، وتكشف أن الجهود المبذولة لم تصل بعد إلى الهدف المنشود.
الأخطر من ذلك، أن نحو 53٪ من الحالات الجديدة لم تعد رئوية، بل تتخذ أشكالًا أخرى أكثر تعقيدًا وأصعب في التشخيص. هذا التحول يعني أن المرض لم يختفِ، بل تغيّر وازداد خفاءً، ما يُصعّب رصده مبكرًا ويُطيل فترة انتقاله بين الناس.
الشيشة والسل: حين يتحول الدخان إلى ناقل صامت للعدوى
لم تعد الشيشة مجرد “جلسة استرخاء” أو طقس اجتماعي عابر. في الواقع، داخل المقاهي المغلقة والمكتظة، قد تتحول إلى بيئة مثالية لانتشار الأمراض التنفسية—وفي مقدمتها داء السل. هنا لا يتعلق الأمر بالمبالغة، بل بوقائع طبية تؤكدها منظمة الصحة العالمية: التدخين، بما فيه الشيشة، يضعف الرئة ويزيد قابلية الإصابة بالعدوى.
السل مرض ينتقل عبر الهواء. يكفي شخص واحد مصاب، ونفس واحد محمّل بالبكتيريا، لتبدأ دائرة العدوى. أضف إلى ذلك جلسات الشيشة الطويلة، حيث يجلس أشخاص لساعات في فضاء مغلق، يتبادلون الأنابيب أو يتشاركون نفس الهواء الملوّث، لتكتمل الصورة: خطر مضاعف لا يُرى بالعين، لكنه ينتقل مع كل شهيق.
الأمر لا يقف عند انتقال العدوى فقط. دخان الشيشة نفسه—المحمّل بالنيكوتين وأول أكسيد الكربون ومواد سامة أخرى—يُضعف الجهاز التنفسي ويُقلل من قدرة الجسم على مقاومة البكتيريا. النتيجة؟ شخص أكثر عرضة للإصابة، وحالة مرضية قد تكون أكثر تعقيدًا وخطورة.
ورغم وضوح هذه الحقائق، تستمر بعض المقاهي في تقديم الشيشة داخل فضاءات مغلقة، وكأن الأمر لا يتجاوز كونه “خدمة للزبون”. لكن أي خدمة هذه، إذا كانت تُعرّض الصحة العامة للخطر؟ وأي منطق يبرر تجاهل المخاطر، بينما المغرب صادق على التزامات واضحة في إطار اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية لمكافحة التبغ، التي تدعو صراحة إلى الحد من التعرض لدخان التبغ في الأماكن العمومية؟
المشكلة لم تعد صحية فقط، بل أصبحت مسألة مسؤولية. حين تتوفر القوانين ولا تُطبّق بالشكل الكافي، يتحول الخطر إلى واقع يومي. وحين يُترك الشباب، بل وحتى القاصرون، داخل هذه البيئات، فإننا لا نتحدث عن حرية شخصية، بل عن تعريض مباشر للصحة العامة.
الشيشة اليوم ليست مجرد دخان يُستنشق بل قد تكون، في ظروف معينة، جسرًا صامتًا لانتقال العدوى.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
هل ننتظر ارتفاع الأرقام لنُدرك حجم الخطر؟ أم نتحرك الآن، بتطبيق صارم للقانون، وتوعية حقيقية، لحماية ما يمكن حمايته؟


