السلطة الرابعة

العرايشي يُهينُ وزارة الداخلية (فيديو)

مرة أخرى تجد المؤسسة التلفزية العمومية نفسها في قلب فضيحة جديدة لا يمكن تبريرها بالخطأ التقني أو الهفوة البسيطة. هذه المرة لم يتعلق الأمر بخلل في البث أو سوء إخراج، بل بسقطة مهنية تمس مؤسسة سيادية في الدولة، بعد أن أظهرت إحدى لقطات مسلسل عش الطمع، الذي يُعرض على الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وثيقة قُدمت للمشاهدين على أنها وثيقة طلاق، قبل أن يتبين أنها مراسلة رسمية صادرة عن وزارة الداخلية المغربية.

المسلسل وضع المشاهدين أمام لقطة توصف بالهاوية بكل المقاييس. فبدل أن يعمد فريق العمل إلى إعداد وثيقة درامية بسيطة تُحاكي وثيقة الطلاق – وهو أمر لا يحتاج سوى بضع دقائق من الإبداع أو حتى ورقة مكتوبة بشكل تقريبي – تم تصوير وثيقة حقيقية تحمل طابع مراسلة إدارية، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول طريقة الاشتغال داخل الإنتاجات التي تبث على القنوات العمومية.

في الدراما التلفزية، الإبداع هو الأصل. يمكن لأي كاتب أو مصمم ديكور أن يبتكر وثائق وهمية تقنع المشاهد دون أن تسيء إلى أي مؤسسة. غير أن ما حدث في هذه الحالة يكشف قدراً كبيراً من الاستهتار، ليس فقط بالمشاهد، بل أيضاً بالمؤسسات العمومية التي يفترض أن التلفزة نفسها جزء منها. فحين تتحول مراسلة رسمية لوزارة سيادية إلى مجرد “إكسسوار” داخل مشهد درامي، فإن الأمر يتجاوز حدود الخطأ التقني ليصبح مسألة احترام للمؤسسات.

المثير في هذه الواقعة أن القنوات العمومية تخضع نظرياً لمساطر صارمة في المراقبة والتحرير والمصادقة على الأعمال قبل بثها. ومع ذلك مرت هذه اللقطة دون أن ينتبه إليها أحد من فرق الإنتاج أو المراقبة أو الإخراج. وهو ما يطرح سؤالاً عريضاً حول مستوى التدقيق داخل منظومة الإنتاج التلفزيوني العمومي: هل ما زالت هناك فعلاً آليات للمراجعة قبل البث؟ أم أن الأمور أصبحت تسير بمنطق “مرّر ما يمكن تمريره”؟

الواقعة تعيد أيضاً النقاش إلى موقع فيصل العرايشي على رأس الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. فالرجل الذي يقود الإعلام العمومي منذ سنوات طويلة أصبح اسمه مرتبطاً بسلسلة من الجدل المتكرر، سواء تعلق الأمر بسقطات البث، أو ضعف الجودة الفنية لبعض الأعمال، أو الإشكالات المرتبطة بالتدبير. ومع كل فضيحة جديدة يعود السؤال نفسه: من يحاسب المسؤول الأول عن هذه المؤسسة؟

الخطير في هذه القصة ليس مجرد ظهور وثيقة إدارية في مسلسل تلفزيوني، بل الرسالة التي تعكسها مثل هذه الأخطاء عن طريقة إدارة الإعلام العمومي. ففي دول كثيرة، قد تتحول هفوة أصغر من ذلك إلى موضوع تحقيق داخلي أو مساءلة مهنية، لأن التلفزيون العمومي يمثل صورة الدولة أمام مواطنيها.

أما في الحالة المغربية، فيبدو أن الجدل يتكرر دون أن يحدث أي تغيير فعلي. تمر الفضائح، وتُطوى الصفحات، ويستمر الوضع كما هو عليه. وهو ما يجعل كثيرين يتساءلون: كيف يمكن لمؤسسة إعلامية عمومية أن تستعيد ثقة الجمهور إذا كانت مثل هذه السقطات تمر دون مساءلة أو توضيح رسمي؟

في النهاية، ما حدث في مسلسل “عش الطمع” ليس مجرد خطأ تقني عابر، بل مؤشر على خلل أعمق في منظومة الإنتاج والمراقبة داخل التلفزة العمومية. وحين يتعلق الأمر بمؤسسة بحجم وزارة الداخلية، فإن المسألة تصبح أكثر حساسية، لأن احترام المؤسسات ليس مجرد شعار، بل ممارسة تبدأ من التفاصيل الصغيرة.

لكن يبدو أن التفاصيل الصغيرة، في الإعلام العمومي، هي بالضبط ما يكشف حجم المشكلة. وبينما تتراكم السقطات، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: إلى متى سيستمر هذا الوضع دون محاسبة؟ في بلد ما يزال، كما يقول كثيرون، يسير بسرعتين مختلفتين.