بلا قيود

أصنام رقمية..نصنعها ثم نرجمها

ما وقع مؤخراً مع “سكينة بن جلون” لم يكن مجرد قضية بسيطة، قامت باستغلالها بعض الفئات تلذذاً بموقف ضعف الآخر وعذابه. فعن نفسي، أؤمن بأن كل بشري يملك الحق في المغفرة، ويستحق أن ينهض بنفس جديد بعد خيباته، لكن في المقابل، تظهر هذه الحادثة مثالًا يبدو انعكاساً لما نحن عليه كمجتمع. نصنع المؤثرين ونجوم الميديا بأيدينا، نصعدهم إلى السماء، ثم نرميهم في القاع عند أول سقوط. سكينة لم تكن الوحيدة، لكنها كانت مثالاً واضحاً عن هشاشة المكانة الرقمية، وعن الطريقة التي يتحول بها الحب الرقمي إلى وهم جماعي. لحظة انهيار الصورة تكشف الحقيقة: لا أحد يبقى معك حين تتعثر، ولا أحد يشاركك سقوطك إلا نفسك.

الشيء الذي يجعلنا نتساءل: لماذا نصنع مؤثرين ونحبهم في العلن، ثم نصبح أول من يحكم عليهم عند الخطأ؟ هل الحب الذي يحيط بهم حقيقي أم مجرد إشارات وهمية على شاشات هواتفنا؟ وهل يكشف هذا السلوك ازدواجية في علاقتنا بالقيم والمسؤولية؟

المؤثر ليس مجرد شخص، بل انعكاس لجمهور متلهف للإثارة والاستهلاك. كل متابعة، كل قلب أحمر، كل تعليق، هو تصويت لإبقائه في دائرة الضوء. لكن هذا الضوء هشّ، لأنه قائم على الانطباع، وليس على الحقيقة. هنا يظهر معنى حاجة الإنسان للاعتراف، كما عبر فيلسوفنا هيغل: “الإنسان لا يكتفي بالوجود، بل يسعى لأن يُعترف به”. وسائل التواصل الرقمي جعلت هذا الاعتراف قابلاً للقياس بأرقام: متابعين، إعجابات… لكنه هشّ بطبيعته، لأنه مشروط بالإبهار المستمر. ساعة الصعود تكون الإشادة مذهلة، لكن ساعة الزلة تتحول هذه الإشادة إلى صمت أو هجوم جماعي.

هنا يظهر التناقض الأول: نحن نخلق النجوم، نرفعهم، ونحب صورتهم، ثم نتركهم وحيدين عند أول خطأ. كيركغور يرى أن الجمهور قوة بلا مسؤولية فردية، وهذا بالضبط ما نراه اليوم: آلاف الأشخاص يشجعونك ويهتفون لك، لكن لا أحد يتحمل جزءاً من المسؤولية حين تنهار الصورة، ولا أحد يسأل عن سياق الخطأ أو الظروف الإنسانية التي وقعت فيها.

ومع تطور المراقبة الرقمية، كما لاحظ فوكو، تحولت المجتمعات الحديثة إلى منظومة دقيقة من العقاب والمراقبة الجماعية. اليوم، كل هاتف كاميرا، وكل حساب منصة حكم، يجعل الأخطاء الصغيرة مادة للفضائح العامة، ويحوّل السلوك الشخصي إلى نقد جماعي فوري. المؤثر يعيش في حالة مراقبة مستمرة، ولا يملك هامشاً للخطأ البشري الطبيعي، ولا فرصة لإعادة بناء صورته قبل أن تنهار أمام أعين الجميع.

هذا يقودنا إلى وهم الحب الرقمي: المتابعات، القلوب الحمراء، التعليقات المشجعة تمنح شعوراً بالدفء، لكنها حب بلا مخاطرة، بلا التزام، بلا عمق. ساعة الشدة، يكتشف المؤثر الحقيقة: لا صديق حقيقي، ولا محب يقف معه، ولا حماية ضد سقوطه. بمعنى عبر عنه شوبنهاور سابقاً: “الضجيج والظهور يبعدان الإنسان عن جوهره”، واليوم نرى كلامه يتجلى عملياً. فالشهرة تكشف هشاشتنا كمجتمع قبل أن تكشف هشاشة الفرد ذاته، وتجعل الحب الجماعي سطحياً، بلا معنى إلا كاستعراض.

المفارقة الأكبر أننا نصنع هذه الشهرة بأنفسنا. نحن نرفع مؤثرين سطحيين، نمنحهم بريقاً مؤقتاً، نستهلك صورهم، وعندما يضعف هذا البريق أو يحدث خطأ، نرجمهم بلا شفقة. وفي الوقت نفسه، نغفل عن بناء مؤثرين حقيقيين، لديهم أفكار وأخلاقيات وأسس صلبة، فنبدأ نشكو في النهاية من أنهم هم من كنا نحتاجهم. هذه الازدواجية تكشف هشاشتنا العميقة: نصنع التفاهة بأيدينا، ونلومها بعد سقوطها، ونكتشف فجأة فراغنا من القيم الحقيقية والمعرفة.

وهنا يظهر بيت القصيد المنشود: أن هشاشة العلاقات في العالم الرقمي ليست مجرد فقدان الحب أو الشهرة، بل فقدان المسؤولية. نحن نبحث عن نجوم لإشباع رغبتنا في الإعجاب، ثم حين تخيب توقعاتنا، نرميهم لنشعر بالسيطرة الأخلاقية. الحب الرقمي وهم، والاعتراف الرقمي هشّ. والدرس أننا بحاجة لإعادة تعريف علاقتنا بالآخر، قبل أن نصبح مجرد متفرجين على سقوط من صنعناه بأيدينا، وندرك أن ما نفتقده لم يكن في المؤثر نفسه، بل في أسسنا كمجتمع ومسؤوليتنا تجاه ما نصنعه.

ختام الكلام أسئلة جادة أخرى نوجهها لأنفسنا، بها ما يكفي من التأمل ومراجعة النفس والحال: هل نريد فعلاً إنساناً نحبّه، أم صورةً نستهلكها؟ وهل نحن مستعدون لتحمل مسؤولية وجود الآخر كما نتحمل مسؤولية أنفسنا؟