بوانو والإبراهيمي وضجة الدفاع عن الأردني “مول الدوا”

تعيش الساحة السياسية خلال الأيام الأخيرة على وقع جدل واسع حول صفقات الدواء وشبهات تضارب المصالح، وهو جدل حاول بعض النواب تقديمه للرأي العام كأنه “حملة من أجل الشفافية”. لكن الوثائق والمعطيات التي حصل عليها موقع “زون24” تكشف أن ما يجري أبعد بكثير من مجرد “رقابة برلمانية”، وأن خلف هذا الضجيج مصالح تتقاطع وتتناقض، وتحاول الاختباء تحت خطاب النزاهة.
السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل من أثار هذا الجدل بريء فعلاً من أي ارتباطات مهنية أو تجارية؟ وهل يحق للنائب أن يرفع شعار محاربة الفساد في قطاع لا تربطه به أي علاقة مباشرة، بينما تحوم حول تحركاته روائح تضارب المصالح؟ الأمر يزداد غرابة حين يتبنّى نائب برلماني لا علاقة له لا بالطب ولا بصناعة الدواء ولا بالمستلزمات الطبية خطاباً متشدّداً حول صفقات الدواء، وكأنه خبير مختص. وإذا كان موقعه التشريعي يعطيه سلطة المساءلة، فإنه لا يعفيه من الشبهات، خاصة حين يكون الخطاب موجهاً بشكل انتقائي يخدم طرفاً دون آخر.
الأخطر من ذلك هو دفاع نائب آخر، أحمد الإبراهيمي، عن مختبر أجنبي هو “حكمة” الأردني ضد مختبرات مغربية منافسة، بما يطرح سؤالاً أخلاقياً صريحاً: هل هذا موقف مبدئي أم انحياز للوبي محدد في سوق شديد الحساسية مثل سوق الدواء؟ وكيف يمكن لبرلماني أن يجعل من قبة البرلمان منصةً للدفاع عن مصالح فاعل أجنبي على حساب الصناعة الوطنية؟ هذا السلوك، مهما حاول أصحابه تبريره، يدخل مباشرة في خانة الدفاع عن لوبيات وليس عن المواطنين.
الوثائق التي حصل عليها “زون24″ تزيد المشهد وضوحاً؛ فالمعطيات تؤكد أن المزايدات الهجومية التي يقودها كل من عبد الله بوانو والإبراهيمي ضد وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي ليست سوى غطاء سياسي لخدمة شركة صديق أردني لهما، توجد بالمنطقة الصناعية للساحل بإقليم برشيد. هذا التقاطع بين هجوم سياسي من جهة ومصلحة تجارية من جهة أخرى يضع الرجلين في قلب شبهة تضارب مصالح يصعب تبريرها.
ولا يمرّ هذا كله بمعزل عن تحركات لوبيات أخرى في القطاع الصحي، فمصادر متطابقة كشفت لـ”زون24” أن لوبي “أكديطال” زار مؤخراً عبد الإله بنكيران في بيته. وهي زيارة تطرح أكثر من علامة استفهام حول توقيتها وخلفياتها، خاصة أنها تأتي متزامنة مع الهجوم على وزير الصحة ومع ما يبدو أنه إعادة تشكيل لخارطة النفوذ داخل القطاع الصحي. ومهما حاول البعض التقليل من أهمية هذه الزيارة، فإن رمزية بيت الأمين العام لحزب العدالة والتنمية وموقعه داخل المشهد السياسي يجعلها ذات دلالة لا يمكن تجاهلها.
من الطبيعي أن يتحدث بوانو عن قطاع الصحة لأنه يشتغل داخله ويعرف مسالكه، لكن غير الطبيعي هو الازدواجية التي يمارسها في الخطاب؛ ازدواجية تُظهره مدافعاً شرساً عن النزاهة بينما تحركاته تشير إلى تسويغ مصالح خاصة. وهو ما يكشف زيف “النضال الأخلاقي” الذي يحاول حزب العدالة والتنمية تسويقه للرأي العام اليوم، رغم أنه قضى عشرة أعوام كاملة في الحكومة دون أن ينجح في إصلاح هذا القطاع الذي يقدّم نفسه اليوم كحامي بوابته.
الأيام المقبلة ستكشف الكثير، وستُظهر من هو الديماغوجي الذي يحركه لوبي، ومن هو المسؤول الذي يدافع فعلاً عن قانون وعن مصلحة المواطنين. لكن المؤشرات الأولى تقول شيئاً واضحاً: ما يجري لا علاقة له بالمبادئ، ولا بمحاربة الفساد، بل بصراع لوبيات يتخفّى تحت قبة البرلمان ويستعمل السياسة كواجهة لمعركة تجارية بحتة.


