أثرياء شارع “مكة”.. اختفاء مفاجئ

لم يعد يسمع لهم صوتٌ في مقاهي وصالات ومرائب شارع مكة هذه الأيام. الوجوه التي اعتادها رواد “شارع الملايرية” اختفت فجأة، كأنها تبخرت في الهواء. رجال أعمال كانوا إلى وقت قريب عنوانًا للحضور القوي، يملؤون المكان حركةً وضجيجًا، أصبحوا اليوم خارج المشهد، بلا تفسير رسمي ولا إشارات علنية.
شارع مكة، الذي تحوّل خلال سنوات إلى مركز غير معلن للمال والأعمال، لم يكن مجرد فضاء تجاري. كان مسرحًا لعلاقات متشابكة، وصفقات تُطبخ على عجل، ووساطات تُنجز بين فنجان قهوة وموقف سيارة. هناك، كانت تُقرأ موازين القوة، وتُستشف التحولات الاقتصادية والسياسية الصغيرة قبل أن تظهر إلى العلن. لذلك، فإن اختفاء أسماء وازنة منه ليس حدثًا عابرًا.
اللافت أن الغياب جاء متزامنًا، وشبه جماعي. لا حضور في المقاهي الفاخرة، لا سيارات فارهة تصطف عند المداخل، ولا جلسات مطولة في الصالات الخاصة. حتى المرائب التي كانت تعجّ بالحركة، بدت أكثر هدوءًا من المعتاد. هذا الصمت غير المألوف فتح باب التأويل على مصراعيه.
تتعدد الروايات، وتتشابه في غموضها. من يقول إن الأمر لا يعدو أن يكون “استراحة محارب”، بعد سنوات من الضغط والعمل المتواصل، ومن يربط الغياب بتغيّر مناخ الأعمال وتشديد المراقبة على بعض الأنشطة التي كانت تُدار في المنطقة. روايات أخرى تذهب أبعد من ذلك، متحدثة عن تحركات احترازية، وابتعاد مقصود عن الأضواء، في انتظار اتضاح الصورة.
شارع الملايرية، بحكم موقعه وسمعته، كان دائمًا مرآةً لما يجري خلف الستار. حين تزدهر الصفقات، يزدحم. وحين تتوتر الأجواء، يلوذ بالصمت. لذلك يرى متتبعون أن ما يحدث اليوم ليس معزولًا عن سياق عام أوسع: إعادة ترتيب الأوراق، وتبدّل قواعد اللعبة، وارتفاع منسوب الحذر لدى فاعلين اعتادوا العمل في مناطق رمادية.
لا أحد ينكر أن بعض الأسماء التي غابت كانت تحظى بنفوذ غير معلن، وتتحرك بثقة داخل شبكة معقدة من العلاقات. هذا النفوذ، الذي كان يمنحها جرأة الظهور، قد يكون اليوم سببًا في التواري. فالمرحلة لم تعد تحتمل الاستعراض، والرسائل غير المباشرة باتت أقوى من الحضور العلني.
في المقابل، يطرح غياب هؤلاء سؤالًا آخر: من يملأ الفراغ؟ فالأماكن لا تبقى خالية طويلًا. مؤشرات خجولة توحي بوجوه جديدة، أقل صخبًا وأكثر تحفظًا، تراقب المشهد من بعيد، وتتحرك بهدوء. وكأن شارع مكة يستعد لدورة جديدة، بقواعد مختلفة وأسماء أقل شهرة.
يبقى المؤكد أن اختفاء أثرياء شارع مكة ليس تفصيلًا هامشيًا. هو علامة على تحوّل ما، لم تتضح معالمه بعد. صمت اليوم قد يخفي خلفه قرارات كبيرة، أو تسويات مؤجلة، أو حتى عودة مرتقبة بشروط جديدة. إلى أن تنكشف الصورة، سيظل الشارع يطرح سؤاله المقلق: أين اختفوا… ولماذا الآن؟


