عبد الرحيم حنين..الحارس على تطبيق القانون

في زمن تتداخل فيه الأصوات ويعلو فيه ضجيج الإعلام الجديد، يظل صوت العدالة الهادئ والرصين أبلغ من كل صخب. في المغرب، تَشخص الأبصار نحو أسماء قليلة من رجال القضاء الذين لا يهابون العواصف، ولا تفتنهم الأضواء، ويظلون شامخين مثل النُّصب في قلب الدولة. من بين هؤلاء، يبرز اسم القاضي عبد الرحيم حنين، الرجل الذي كرّس حياته لخدمة القانون، حارساً أميناً على هيبته، ودرعاً واقياً للمؤسسة القضائية من الابتذال والتشكيك.
وُلد عبد الرحيم حنين في مدينة الدار البيضاء، ودرس القانون بجامعة الحسن الثاني، حيث تخرّج من كلية الحقوق بشغفٍ بالعدالة لا يخبو. التحق بالمعهد العالي للقضاء، وتدرّج في مختلف دواليب النيابة العامة حتى أصبح واحداً من أبرز أطرها وأكثرهم هيبة وكفاءة. ومن خلال مسؤوليته كرئيس قطب القضايا الجنائية وحماية الفئات الخاصة، لمع نجم حنين كقاضٍ دقيقٍ، متزنٍ، لا يتهاون في احترام المساطر، ولا يتسامح مع الخروقات. وقد جعل من قاعات المحاكم منصات لحماية الكرامة الإنسانية، والدفاع عن الضحايا، وتحصين المجتمع من الانفلات.
لم يكن عبد الرحيم حنين يوماً باحثاً عن الأضواء، بل جعل من الصمت الوازن سلاحه، ومن القانون درعه، ومن الاستقلالية ميثاقاً لا يحيد عنه. وعلى مدار سنوات اشتغاله، عُرف بمواقفه المهنية النزيهة في ملفات بالغة الحساسية، حرص خلالها على أن يظل القضاء مؤسسة فوق الصراعات والحسابات الضيقة. وقد أكسبه ذلك احترام زملائه، وتقدير المتقاضين، وحتى خصومه المهنيين الذين يُجمعون على مهنيته ووقاره.
غير أن حنين لم يكن فقط رجل ملفات، بل كان أيضاً رجل معركة صامتة في وجه حملات تشويه استهدفته شخصياً. ففي خضم موجة الافتراء والتشهير التي سادت الفضاء الرقمي، وجد نفسه هدفاً لمواطن مغربي مقيم بكندا يُدعى هشام جيراندو، الذي خصّه بفيديوهات على اليوتيوب تتضمن إساءات واتهامات باطلة. لكن عبد الرحيم حنين لم ينزل إلى مستوى الخصم، بل اختار القضاء سبيلاً للرد، رافعاً دعوى قضائية في المحاكم الكندية، واضعاً ثقة كاملة في دولة القانون.
وبعد مسار قضائي دقيق، أصدرت المحكمة العليا في كيبيك حكماً نهائياً بتاريخ 24 يوليو 2025 يقضي بإدانة جيراندو بالسجن النافذ لشهر، وأداء 150 ساعة من الخدمة المجتمعية، مع غرامة مالية قدرها 10 آلاف دولار كندي، وأمر بحذف الفيديوهات المسيئة. وهو حكم أعاد الاعتبار لحنين، لكنه أيضاً شكّل رسالة رمزية لكل من يعتقد أن مهاجمة القضاة لا تترتب عنها تبعات قانونية.
بعيداً عن هذا الملف، يظل عبد الرحيم حنين أحد الأصوات المهنية التي يُعوّل عليها في ورش إصلاح العدالة بالمغرب. فهو ليس فقط رجل قضايا، بل أيضاً مكوّن ومؤطر، ساهم في تأهيل أجيال من القضاة الشباب، وغرس فيهم قيم الاستقلالية والانضباط والصرامة المهنية. كما شارك في ندوات علمية، وكتب مقالات قانونية، كان فيها وفياً لنفس المبادئ: الحزم، التحليل الرصين، وتقديس دور القاضي كضامن لحقوق الناس.
إن الحديث عن القاضي عبد الرحيم حنين هو حديث عن نموذج نادر في المرفق القضائي المغربي. نموذج لا تزعزعه حملات، ولا تحركه أجندات، بل يظل متمسكاً بسلطة القانون باعتبارها الحصن الأخير للدولة والمجتمع. هو حارس على تطبيق القانون، لا بالسيف ولا بالهتاف، بل بالتروي، والضمير، والاستماتة الهادئة في قول “لا” حين يجب قولها، و”نعم” حين يقتضي الإنصاف ذلك.
وفي بلد ما تزال فيه الثقة في القضاء تتأرجح، تبرز الحاجة إلى أمثال عبد الرحيم حنين، لا لكونهم ملائكة، بل لأنهم من أولئك الذين يجعلون من القانون ضميراً حياً، لا مجرد نصوص جامدة.


