الحكم الذاتي وحكومة المونديال

لم يعد ملف الصحراء المغربية مجرد قضية دبلوماسية تقليدية تُدار داخل أروقة الأمم المتحدة أو عبر البيانات الرسمية الموسمية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ورش استراتيجي شامل يعكس صعود المغرب كقوة إقليمية قادرة على فرض رؤيتها السياسية بثبات وهدوء.
الانتصارات الدبلوماسية التي راكمتها الرباط لم تكن صدفة، بل نتيجة عمل طويل النفس قاده الملك الملك محمد السادس وفق عقيدة واضحة: الواقعية السياسية بدل الشعارات، والشراكات الاستراتيجية بدل الاصطفافات الإيديولوجية.
اليوم، لم يعد السؤال الدولي المطروح هو: هل يوجد حل للنزاع؟ بل أصبح: كيف سيتم تنزيل الحكم الذاتي؟
فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي تحولت تدريجياً من مقترح سياسي إلى مرجعية أممية شبه متوافق حولها. اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ومواقف دول أوروبية وازنة، وافتتاح عشرات القنصليات في مدن الجنوب، كلها مؤشرات تؤكد أن ميزان الشرعية الدولية يميل بوضوح نحو الطرح المغربي.
لكن السياسة، كما التاريخ، لا تتوقف عند حدود الدبلوماسية. فالانتصار الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الدول الداعمة، بل بقدرة الدولة على ترجمة هذا التحول الدولي إلى نموذج حكامة داخلي قوي وقابل للاستمرار. وهنا يظهر الرهان الأكبر: المغرب لم يعد يحتاج فقط إلى دبلوماسية ناجحة، بل إلى حكومة بحجم المرحلة.
لقد دخلت المملكة مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من كسب الاعتراف إلى تدبير ما بعد الاعتراف. والحكم الذاتي ليس مجرد نص قانوني ينتظر التفعيل، بل مشروع دولة يتطلب إدارة سياسية واقتصادية واجتماعية متماسكة، قادرة على تنزيل الجهوية المتقدمة، وتوفير شروط التنمية، وإنتاج نخب تدبيرية تمتلك الكفاءة والجرأة في القرار.
وفي هذا السياق، يبرز عامل جديد سيعيد ترتيب الأولويات السياسية: تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة ثلاثية تاريخية. المونديال ليس حدثاً رياضياً فقط، بل اختباراً شاملاً لقدرة الدولة على التدبير المؤسساتي السريع، وتعبئة الاستثمارات، وتسريع الإصلاحات الكبرى في البنيات التحتية، والنقل، والسياحة، والخدمات العمومية.
غير أن الخطأ الأكبر سيكون الاعتقاد أن المغرب يحتاج فقط إلى حكومة مونديال. فالمونديال لحظة زمنية محدودة، بينما الحكم الذاتي مشروع استراتيجي ممتد لعقود. المطلوب إذن ليس حكومة تُنجح التظاهرة الرياضية فحسب، بل حكومة تؤسس لمرحلة سياسية جديدة، يكون فيها تدبير الأقاليم الجنوبية نموذجاً للحكامة الترابية الحديثة داخل الدولة المغربية الموحدة.
إن المرحلة المقبلة تفرض حكومة قوية سياسياً قبل أن تكون تقنية، حكومة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة، وتحمل كلفة الإصلاح، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. فتنزيل الحكم الذاتي يتطلب إدارة عمومية فعالة، واستثماراً ذكياً، ونخبة سياسية تمتلك رؤية وطنية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.
ومن هنا يبدو واضحاً أن نتائج الانتخابات المقبلة، مهما اختلفت التفاصيل، لن تخرج عن هذا السياق الاستراتيجي. التوازنات السياسية ستُفرز أغلبية منسجمة مع خيار الاستقرار المؤسساتي، لأن الدولة دخلت مرحلة لا تحتمل التجريب أو الارتباك. الرهان لم يعد صراع أحزاب بقدر ما أصبح سؤال كفاءة وقدرة على مواكبة التحولات الكبرى التي يعيشها المغرب.
فالناخب المغربي، مثل الدولة، أصبح أكثر براغماتية. لم يعد يبحث فقط عن الخطاب، بل عن من يستطيع إدارة المشاريع الكبرى، وتسريع التنمية، وتحويل الاعتراف الدولي بالصحراء إلى واقع اقتصادي واجتماعي ملموس. وهنا تتقاطع رهانات الحكم الذاتي مع رهانات المونديال: كلاهما يحتاج دولة قوية، ومؤسسات منسجمة، وحكومة تشتغل بمنطق الإنجاز لا بمنطق التدبير اليومي.
المغرب اليوم يقف عند مفترق تاريخي نادر. انتصار دبلوماسي يتبلور دولياً، ومونديال يضع البلاد تحت أنظار العالم، ومشروع حكم ذاتي يقترب من مرحلة التنفيذ الفعلي. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد من سيقود الحكومة، بل أي حكومة تستطيع قيادة هذه اللحظة التاريخية.


