سياسة

أينما وليت وجهك تجد بادل.. البام يرشح رئيسة جماعة برشيد لانتخابات شتنبر

يبدو أن المشهد السياسي بإقليم برشيد يسير في اتجاه تكريس واقع انتخابي جديد عنوانه الأبرز: العائلة قبل التنظيم، والامتداد العائلي قبل التداول السياسي. فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي رفع لسنوات شعار تجديد النخب وربط المسؤولية بالمحاسبة، اختار هذه المرة الرهان على اسم مألوف داخل دواليب السلطة المحلية بالإقليم، عبر تزكية منال بادل، رئيسة جماعة برشيد، لخوض انتخابات شتنبر المقبلة، في خطوة أثارت كثيراً من علامات الاستفهام داخل الأوساط الحزبية والسياسية.

القرار لم يمر مرور الكرام، ليس فقط لأن المعنية بالأمر تشغل بالفعل موقعاً تنفيذياً مهماً على رأس جماعة برشيد، بل لأن اسم “بادل” أصبح حاضراً في مختلف مستويات القرار الترابي بالإقليم. فالمترشحة هي شقيقة عثمان بادل، رئيس المجلس الإقليمي لبرشيد، كما أنها شقيقة عابد بادل، المستشار البرلماني وأحد أبرز أثرياء منطقة أولاد احريز، ما جعل المتتبعين يتساءلون: هل نحن أمام حزب سياسي أم أمام إعادة إنتاج لنفوذ عائلي ممتد؟

في برشيد، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد حضور سياسي عادي، بل بشبكة نفوذ متكاملة تهيمن على مفاصل القرار المحلي. الجماعة في يد، المجلس الإقليمي في يد أخرى، والتمثيلية البرلمانية حاضرة داخل نفس العائلة، وهو وضع يعيد إلى الواجهة النقاش القديم حول حدود العمل الحزبي عندما يتحول إلى أداة لتكريس الزعامة العائلية بدل توسيع قاعدة المشاركة السياسية.

مصادر حزبية متطابقة تحدثت عن امتعاض داخلي وسط عدد من مناضلي الأصالة والمعاصرة بالإقليم، ممن كانوا ينتظرون فتح المجال أمام كفاءات جديدة أو وجوه سياسية قادرة على خلق دينامية انتخابية مختلفة. غير أن قرار التزكية، بحسب نفس المصادر، جاء من فوق، في سياق حسابات انتخابية محضة تراهن على الجاهزية المالية والشبكات الانتخابية الجاهزة أكثر مما تراهن على المشروع السياسي أو الأداء التدبيري.

اللافت أن هذا الاختيار يأتي في لحظة سياسية حساسة، حيث تحاول الأحزاب الكبرى إعادة بناء خطابها حول تخليق الحياة العامة ومحاربة الريع السياسي. لكن ما يقع في برشيد يقدم صورة مغايرة تماماً؛ صورة حزب يفضل ضمان مقعد انتخابي محتمل على حساب الرسائل السياسية التي يرفعها في الرباط والندوات الوطنية.

منتقدو القرار يرون أن تزكية منال بادل ليست مجرد اختيار تنظيمي، بل مؤشر على تحول عميق في طبيعة المنافسة الانتخابية، حيث أصبح التحكم في الخريطة السياسية يتم عبر العائلات النافذة القادرة على تعبئة الموارد البشرية والمالية، وهو ما يطرح سؤال تكافؤ الفرص داخل الأحزاب نفسها قبل الحديث عن المنافسة بين الأحزاب.

أما المدافعون عن الاختيار فيعتبرون أن السياسة لا تعترف إلا بمن يملك الحضور الميداني والقدرة على الفوز، وأن العائلة المذكورة راكمت تجربة انتخابية وتنظيمية تجعلها رقماً صعباً في معادلة برشيد، خصوصاً في ظل تشظي المعارضة المحلية وضعف البدائل القادرة على منافسة آلة انتخابية جاهزة.

غير أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بنتائج صناديق الاقتراع، بل بالصورة التي تقدمها الأحزاب عن نفسها أمام الرأي العام. فحين يصبح المواطن مقتنعاً بأن الوجوه تتغير شكلياً بينما النفوذ يبقى محصوراً داخل نفس الدوائر العائلية، فإن الثقة السياسية تتآكل تدريجياً، ويتحول العمل الحزبي إلى مجرد آلية لتدوير السلطة داخل نفس الأسماء.

اليوم، في برشيد، يبدو المشهد واضحاً: أينما وليت وجهك تجد بادل. الجماعة، الإقليم، البرلمان… والآن السباق الانتخابي الجديد. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس من سيفوز في شتنبر، بل أي نموذج سياسي نريد ترسيخه: حزب المؤسسات أم حزب العائلات؟

الجواب لن تحدده بيانات التزكية، بل صناديق الاقتراع ووعي الناخبين الذين سيقررون ما إذا كانت السياسة مجالاً للتجديد والتنافس، أم مجرد استمرار لنفوذ يتوارثه الأقربون.