افتتاحية

براءة حسبان وورطة الزيات

في الغالب، أول تعليق سيظهر أسفل هذه الافتتاحية سيكون جاهزاً ومكرراً: “حسبان صاحبك وتدافع عليه”. ولهذا سأحسم الأمر منذ البداية، دون مواربة أو تردد: سعيد حسبان خويا، ماشي غير صاحبي… ولكن مصلحة الرجاء فوق حسبان وفوق الزيات وفوق أي اسم كيفما كان حجمه. الرجاء ليست ملكاً للأشخاص، ولا مجال فيها لتصفية الحسابات أو لتوزيع صكوك الوطنية الرجاوية حسب القرب أو البعد من هذا الرئيس أو ذاك.

الحقيقة التي يرفض البعض الاعتراف بها اليوم، أن التاريخ بدأ يعيد ترتيب نفسه بهدوء، وأن ما قيل بالأمس على أنه “مبالغات حسبان” أو “صراخ رئيس سابق” يتحول تدريجياً إلى وقائع صلبة تُحرج كثيرين داخل البيت الأخضر.

في الجمع العام السابق، لم يكن الصراع عادياً. الرجاويون لم يصوتوا فقط ببرامج أو مشاريع، بل صوّتوا أيضاً تحت تأثير حملة منظمة، شاركت فيها هواتف من خارج الدار البيضاء، في سابقة أثارت حينها الكثير من علامات الاستفهام. كان الهدف واضحاً: إسقاط سعيد حسبان بأي ثمن، ليس لأنه أخطأ فقط، بل لأن الرجل اختار أن يطرح أسئلة مزعجة حول مستقبل النادي وهويته المالية.

وقتها، قال حسبان كلاماً اعتبره البعض مبالغاً فيه، حين حذّر من خطورة بيع نسبة كبيرة من أسهم الرجاء بثمن وصفه بالبخس لفائدة شركة مرسى ماروك. كثيرون ضحكوا، وآخرون سخروا، وبعضهم اتهمه بمحاولة عرقلة “مشروع إنقاذ تاريخي”.

لكن اليوم، ومع اقتراب تنزيل هذا السيناريو على أرض الواقع، يكتشف الرجاويون أن التحذير لم يكن صراخاً… بل قراءة استباقية لما قد يتحول إلى أكبر فضيحة مالية في تاريخ النادي.

الرجاء ليست شركة تبحث عن مستثمر فقط، بل مؤسسة رياضية ذات حمولة رمزية وشعبية هائلة. وعندما يتم الحديث عن تفويت نسبة مؤثرة من الأسهم، فالأمر لا يتعلق بضخ الأموال فقط، بل بمن سيتحكم فعلياً في القرار الرياضي والاقتصادي مستقبلاً. السؤال الحقيقي ليس: كم سندخل من المال؟ بل: كم سنفقد من السيادة على النادي؟

هنا تبدأ ورطة جواد الزيات.

الزيات، الذي قدّم نفسه دائماً كرجل التدبير العقلاني، يجد اليوم مكتبه محاصراً بأسئلة الأرقام. الحديث عن مليارات ضُخّت أو وُعد بضخها لم يعد يقنع الرأي العام الرجاوي، خصوصاً بعد ظهور معطيات تؤكد أن رقماً مالياً ضخماً تم الترويج له لم يكن دقيقاً، بل جرى تضخيمه بشكل خلق وهماً جماعياً حول الوضع المالي للنادي.

وكان من المنتظر عقد جمع عام تكميلي لتصحيح المسار وتوضيح الحقائق، بعدما تبين أن الأرقام المقدمة سابقاً تضمنت نفخاً مالياً غير صحيح، وُجّهت بسببه اتهامات غير مباشرة لمكتبي بيرواين وهلا، قبل أن تتكشف معطيات تطرح علامات استفهام ثقيلة حول مصدر تلك الأرقام ومن المستفيد من تسويقها.

وهنا بالضبط، يصبح النقاش أخلاقياً قبل أن يكون تدبيرياً.

هل كان الهدف فعلاً إنقاذ الرجاء؟

أم إعادة تشكيل النادي وفق تصور مالي يفتح الباب أمام تفويت تدريجي لقراره السيادي؟

المفارقة المؤلمة أن سعيد حسبان، الذي صُوّر لسنوات كعنوان للأزمة، قد يتحول اليوم إلى شاهد على مرحلة كان فيها التحذير جريمة، بينما الصمت كان فضيلة. الرجل قال إن بيع الأسهم بثمن غير عادل سيُدخل الرجاء في مسار لا رجعة فيه، واليوم يجد الرجاويون أنفسهم أمام واقع يفرض طرح السؤال نفسه الذي طرحه حسبان منذ البداية: من يملك الرجاء؟

الدفاع عن حسبان هنا ليس دفاعاً عن شخص، بل عن فكرة أساسية: داخل الرجاء، يمكن أن نختلف حول الأشخاص، لكن لا يجوز أن نغامر بمستقبل النادي تحت ضغط الحاجة المالية أو وهم المشاريع الكبرى.

الرجاء نجت من أزمات مالية خانقة، ومن صراعات رؤساء، ومن انقسامات جماهيرية، لكنها لم تواجه قط احتمال فقدان جزء من روحها مقابل حلول مالية قصيرة المدى.

ولهذا أقولها مرة أخرى، حتى لا يختلط الأمر على أحد:

حسبان خويا، نعم… لكن إن أخطأ سأقول أخطأ. واليوم، الوقائع تقول إن الرجل ربما كان يرى ما لم يرد الآخرون رؤيته.

أما الورطة الحقيقية، فهي ليست ورطة حسبان… بل ورطة من سيُطالب قريباً بتفسير كيف انتقل النقاش داخل الرجاء من البحث عن الإنقاذ إلى حافة التفويت.

الرجاء أكبر من الجميع.

وأي قرار لا يحمي استقلالها، مهما بدا مغرياً مالياً، سيبقى مجرد صفقة قصيرة العمر في تاريخ نادٍ صنعته الجماهير لا دفاتر الشيكات.