المحكمة التجارية بالدار البيضاء..حين تتحول الأرقام إلى سياسة قضائية

لم يعد تقييم أداء القضاء التجاري بالدار البيضاء مسألة انطباعات أو خطابات مؤسساتية عامة، بل بات يرتكز على معطيات رقمية صلبة تفرض نفسها في النقاش العمومي والاقتصادي. فالأرقام التي راكمتها المحكمة الابتدائية التجارية بالدار البيضاء خلال السنتين الأخيرتين تكشف عن انتقال واضح من تدبير تقليدي للملفات إلى منطق قائم على النجاعة، والسرعة، وربط القضاء بحركية الاقتصاد.
مع بداية سنة 2025، سجّلت المحكمة مداخيل مالية بلغت حوالي 124 مليار سنتيم، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ هذا المرفق القضائي. هذه المداخيل، المتأتية من الرسوم القضائية وعمليات التنفيذ والغرامات والسجل التجاري، لا تعكس فقط ارتفاع وتيرة العمل، بل تشير إلى توسع حجم المعاملات الاقتصادية التي تمر عبر القضاء التجاري، وإلى تنامي لجوء الفاعلين الاقتصاديين إلى المؤسسة القضائية كفضاء لحسم النزاعات.
القراءة الأعمق لهذه الأرقام تبرز أن الأمر لا يتعلق بارتفاع عشوائي في النشاط، بل بنتائج مرتبطة بتحسن الأداء القضائي. فبين سنتي 2023 و2025، أصدرت المحكمة ما يفوق 102 ألف حكم، مع تسجيل نسبة بت قاربت 95 في المائة من مجموع القضايا المسجلة. هذا المعطى الرقمي يعني عملياً أن أغلب الملفات وجدت طريقها إلى الحسم، وهو ما يعكس تراجعاً في تراكم القضايا وتحكماً أفضل في الزمن القضائي.
هذا التطور لم يكن ليتحقق دون إعادة تنظيم داخلية لطريقة اشتغال المحكمة. إذ ساهم اعتماد تتبع أدق للملفات، وتنظيم الجلسات بشكل عقلاني، وتعزيز التنسيق بين مختلف مكونات المحكمة، في تقليص آجال البت وتحسين مردودية العمل القضائي. هنا، يصبح الرقم مؤشراً على جودة التدبير، لا مجرد نتيجة إحصائية.
وعلى مستوى القضايا ذات البعد الدولي، سجل القضاء التجاري بالدار البيضاء خطوة لافتة من خلال الاعتراف بمسطرة أجنبية تتعلق بتصفية شركة إيطالية، وترتيب آثارها القانونية داخل التراب المغربي. ورغم أن هذه السابقة تبدو محدودة عددياً، إلا أنها تحمل دلالة قوية على انفتاح القضاء التجاري المغربي على المعايير الدولية، وقدرته على التفاعل مع نزاعات عابرة للحدود في سياق اقتصادي معولم.
أما ملفات صعوبات المقاولة، فتُظهر المعالجة القضائية توجهاً واضحاً نحو إعطاء الأولوية للحلول التي تضمن استمرارية النشاط الاقتصادي بدل اللجوء السريع إلى التصفية. ورغم غياب أرقام مفصلة في هذا الجانب، فإن وتيرة الحسم وسرعة التفاعل مع هذه القضايا تعكس توجهاً عملياً نحو تقليص الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للنزاعات التجارية.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن اختزال التجربة في معادلة بسيطة لكنها دقيقة:
قضاء سريع + نسبة بت مرتفعة + مداخيل قياسية = ثقة اقتصادية متزايدة.
المحكمة التجارية بالدار البيضاء، تحت رئاسة الأستاذ رشيد الشائب، تقدم اليوم نموذجاً لمرفق قضائي لم يعد محايداً زمنياً عن الاقتصاد، بل فاعلاً غير مباشر في تحسين مناخ الأعمال. أرقام تؤكد أن العدالة، حين تُدار بمنطق النتائج، تتحول من عبء محتمل على الاستثمار إلى أحد شروطه الأساسية.


