الناصيري في عكاشة وأثرياء شارع مكة في عواصم العالم

مقاهي شارع مكة الشهيرة خاوية على عروشها، والموائد التي كانت ملأى برجال الأعمال من عالم العقار والحديد والمواد الغذائية، خاصة الدقيق والقهوة، لم تعد تسمع أحاديثهم الصاخبة ولا همسات الصفقات التي كانت تُعقد بين فنجان قهوة وآخر. تلك الجلسات التي كانت، في أحيان كثيرة، “زون24” ومدير نشرها موضوع نقاشها، اختفت كما اختفى أصحابها عن المشهد. رجال كانوا يملؤون فيلا الناصيري بالأمس القريب، بعضهم ــ وفق ما كان يُتداول ــ منح ملايين الدراهم بدعوى “دعم الوداد”، قبل أن يتركوه اليوم وحيداً في سجن عكاشة، مسافراً مرة كل أسبوع من عين السبع إلى محكمة الاستئناف بشارع الجيش الملكي.
تفيد معطيات حصل عليها موقع “زون24” أن هؤلاء الأثرياء ركبوا طائرات “بيزنس كلاس” نحو عواصم العالم لقضاء رأس السنة، تاركين خلفهم صديق الأمس يواجه مصيره وحيداً. باريس، دبي، إسطنبول، ومدريد… عناوين أنيقة لاحتفالات فاخرة، تقابلها زنازين باردة وأسئلة ثقيلة داخل أسوار عكاشة.
المفارقة الصارخة ليست فقط في اختلاف الأمكنة، بل في سرعة تبدّل المواقف. فالأسماء التي كانت تتسابق للظهور قرب الناصيري، وتحرص على الجلوس في الصفوف الأولى بالمنصة الشرفية، اختفت فجأة. هواتف صامتة، ووعود تبخّرت، ومسافة محسوبة بعناية بين “الملف” وأصحاب الأموال. في لحظة الحقيقة، سقط القناع، وظهر من كان يعتبر العلاقة مجرد استثمار ظرفي لا أكثر.
شارع مكة، الذي كان يُوصف بكونه “بورصة غير رسمية” للنفوذ والمال في الدار البيضاء، يعيش اليوم على وقع فراغ لافت. المقاهي نفسها، الكراسي نفسها، لكن الوجوه تغيّرت، أو بالأحرى اختارت الغياب. حديث السياسة والرياضة والصفقات الكبرى استُبدل بصمت ثقيل، وكأن الجميع ينتظر أن تمر العاصفة بأقل الخسائر.
قضية الناصيري، بما تحمله من تشابكات، كشفت مرة أخرى طبيعة العلاقات في عالم المال والنفوذ: علاقات مصلحة، لا مكان فيها للوفاء عندما تتعقد الملفات وتقترب العدالة. فالدعم الذي كان يُقدَّم بسخاء تحت عناوين براقة، تبين أنه كان مشروطاً ببقاء الصورة لامعة والباب مفتوحاً.
اليوم، الناصيري في عكاشة، وأثرياء شارع مكة موزعون على عواصم العالم، يحتفلون ويغادرون سنة ويستقبلون أخرى. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً: كم من “صداقة” ستصمد لو تبدلت المواقع، وكم من ملياردير سيجرؤ على الوقوف إلى جانب من كان بالأمس القريب بوابته إلى النفوذ؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن مقاهي شارع مكة لن تعود كما كانت، على الأقل ليس قريباً.


