مجتمع

هدم “كرملين بوسكورة”..لحظة حاسمة تُعيد الاعتبار لسلطة القانون في إقليم النواصر

في خطوة تحمل دلالات عميقة على مستوى تدبير المجال الترابي وسيادة القانون، نفّذت سلطات إقليم النواصر عملية هدم واسعة لمَعلَم عمراني مثير للجدل عُرف باسم «كرملين بوسكورة» أو «قصر ضيافة». هذه العملية لم تكن مجرد تدخل تقني لإزالة بناء غير قانوني، بل شكلت لحظة مفصلية في الصراع بين دولة القانون ودولة الاستثناءات، بين منطق المصلحة العامة ومنطق التحايل على القوانين المنظمة للتعمير واستغلال النفوذ.

القضية تعود إلى سنوات مضت عندما بدأ صاحب المشروع في تشييد مجمّع ضخم داخل منطقة مصنّفة فلاحية، وهي منطقة يمنع فيها كلياً إقامة منشآت سياحية أو فندقية أو قاعات للولائم، طبقاً لوثائق التعمير ومخططات التهيئة. ورغم حصوله على رخصة مرتبطة بأنشطة فلاحية وفروسية، عمد صاحب المشروع إلى تغيير طبيعة البناية ومساحتها ووظيفتها، محولاً الترخيص الأصلي إلى غطاء لصرح فخم لا علاقة له بالغرض المرخّص له.

عندما تنبّهت السلطات الإقليمية إلى الخروقات، تم سحب الترخيص سنة 2023 ومنح مهلة لتسوية الوضع، إلا أنّ الأشغال استمرت في تحدٍّ صارخ للقرارات الإدارية، وهو ما مثّل تجاوزاً مضاعفاً: تجاوز قانون التعمير، وتجاوز السلطة الرقابية للدولة. وهنا بدأت تتكشف طبقات أخرى من الملف، تتعلق بوجود اختلالات في منح الرخص على مستوى جماعة بوسكورة، وتسهيلات غير مبررة، ما دفع وزارة الداخلية إلى اتخاذ قرار تعليق رئيس المجلس الجماعي وثلاثة منتخبين آخرين بسبب مخالفات ملموسة في مجال تدبير التعمير.

عملية الهدم التي أشرفت عليها سلطات إقليم النواصر جاءت بمثابة ردّ حازم يبعث برسالة واضحة مفادها أن القانون لا يُستثنى منه أحد، وأن الإقليم الذي يشهد توسعاً عمرانياً كبيراً لا يمكن أن يتحول إلى حقل للمضاربة العشوائية. ولعل رمزية العملية تكمن في التوقيت والسياق: المغرب يوجد في مرحلة إعادة ترتيب علاقة المواطن بالمرفق العام، وتشديد الرقابة على المنتخبين، وتعزيز حكامة الترخيصات ومراقبة التعمير. وما حدث في بوسكورة هو جزء من «تطهير عمراني» بدأ يأخذ شكله في مدن ومناطق مختلفة، ويهدف إلى محاصرة الفوضى التي راكمتها سنوات من التساهل أو التلاعب أو التعويل على العلاقات الشخصية بدل القانون.

أكثر من ذلك، القضية تعكس تحولاً في عقلية الدولة نفسها. فالهدم لم يتم لأنه بناء “غير قانوني” فقط، بل لأنه يشكل سابقة: استثمار ضخم بقيمة 160 مليون درهم لم يشفع لصاحبه أمام القانون، والوعود التي تحدث عنها لم تكن أقوى من قوة النصوص التنظيمية. هذا يرسل رسالة قوية إلى المستثمرين بأن المغرب بلد منفتح على الاستثمار، لكنه صارم في احترام الضوابط. فالمصلحة الاقتصادية لا يمكن أن تكون مبرراً لتفكيك النسق القانوني أو لخلق مناطق رمادية على حساب البيئة العمرانية.

أما القضاء، الذي وُضع الملف بين يديه، فسيكون مطالباً بالكشف عن كل المسؤوليات وترتيب الجزاءات الكاملة، سواء على مستوى المنتخبين أو على مستوى كل من شارك في منح أو تسهيل إجراءات غير قانونية. وهذا بدوره يعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو أحد الأعمدة المركزية في الإصلاحات المؤسساتية الجارية في البلاد.

في النهاية، عملية هدم «كرملين بوسكورة» ليست حدثاً عادياً، بل هي إعلان صريح بأن المغرب يسير نحو نموذج عمراني يحترم القانون ويقدّس المصلحة العامة. وأن سلطات إقليم النواصر خرجت من منطق التردد إلى منطق الحسم، لتؤكد أن المغاربة سواسية أمام القانون، وأن زمن البناء خارج الشرعية قد انتهى، مهما بلغت قيمة المشروع أو قوة أصحابه