المغرب

مشروع قانون المالية لسنة 2026.. أرقام وطموحات

يأتي مشروع قانون المالية لسنة 2026 في سياق وطني ودولي دقيق، تتقاطع فيه رهانات الإقلاع الاقتصادي مع تحديات الاستدامة المالية والاجتماعية. بعد مرحلة استثنائية طبعتها آثار الجفاف والتقلبات الاقتصادية الدولية، تسعى الحكومة المغربية من خلال هذا المشروع إلى تثبيت أسس دولة اجتماعية حديثة، وتوفير هوامش مالية كافية للاستثمار في الإنسان والمجال، دون الإخلال بتوازنات المالية العمومية.

نمو متحكم فيه وعجز مضبوط

في الجانب المالي، يراهن المشروع على تحقيق معدل نمو يناهز 4.5 في المائة، مع تقليص عجز الميزانية إلى حوالي 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام. هذا الطموح يأتي في ظل سعي الحكومة إلى تقوية تعبئة الموارد الذاتية، وتحسين المردودية الجبائية، وضبط النفقات غير المنتجة.

ويرتكز المشروع على رؤية اقتصادية واقعية، تراعي الظرفية المناخية والاقتصادية، وتستند إلى إصلاحات هيكلية تهم المنظومة الضريبية، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار الخاص في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

العدالة الاجتماعية والمجالية في قلب الأولويات

لم يغفل مشروع قانون المالية 2026 الجانب الاجتماعي، إذ جعل من تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية محوراً مركزياً في سياسته العامة. فقد تم تخصيص اعتمادات مالية مهمة لتفعيل نظام التغطية الصحية الموحدة، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات العمومية في مجالات التعليم والصحة والنقل.

كما يهدف المشروع إلى دعم الطبقة المتوسطة من خلال إجراءات ضريبية محفزة، وتحسين الدخل الفردي، وتشجيع الولوج إلى السكن اللائق في مختلف جهات المملكة.

إصلاح جبائي ومقاربة جديدة للتدبير

تضمن المشروع خطوات متقدمة في إطار الإصلاح الجبائي الشامل، وذلك عبر تبسيط المساطر، ومحاربة التهرب الضريبي، وإعادة هيكلة الرسوم شبه الضريبية بما يعزز الشفافية والمردودية. كما أقرّ اعتماد مقاربة “ميزانية البرامج المبنية على النتائج”، في أفق جعل الإنفاق العمومي أكثر نجاعة وربط التمويل بالأداء.

رهان الدولة الاجتماعية واستدامة المالية العمومية

تسعى الحكومة، من خلال هذا المشروع، إلى التوفيق بين مطلب العدالة الاجتماعية وضرورات الانضباط المالي. فإطلاق البرامج الاجتماعية الكبرى كالدعم المباشر للأسر، وتعميم التأمين الإجباري عن المرض، يتطلب موارد مستدامة، وهو ما تعمل الحكومة على تحقيقه عبر توسيع الوعاء الضريبي وترشيد النفقات العمومية.

كما يشدد المشروع على دعم الاستثمار العمومي، خصوصاً في البنيات التحتية والمشاريع ذات البعد الجهوي، باعتباره رافعة للنمو ووسيلة لتقليص البطالة وتحريك الاقتصاد المحلي.

طموح الإصلاح بين الواقع والتحدي

رغم الطابع الطموح للمشروع، إلا أن تحقيق أهدافه يظل رهيناً بعدة عوامل خارجية وداخلية، من أبرزها الوضع المناخي المرتبط بالموسم الفلاحي، واستقرار الأسواق الدولية للطاقة والمواد الأولية. كما يبقى تنفيذ الإصلاحات المعلنة، خاصة في مجالات الرقمنة والحكامة والجبايات، عاملاً حاسماً في ترجمة الأرقام إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

مشروع قانون المالية لسنة 2026 ليس مجرد وثيقة تقنية مليئة بالأرقام، بل هو تعبير عن رؤية اقتصادية واجتماعية متجددة تسعى إلى بناء نموذج تنموي متوازن، يُمكّن المغرب من مواجهة التحديات المستقبلية بثقة ومسؤولية. فبين رهانات النمو واستدامة المالية، تتجلى إرادة سياسية واضحة لجعل الاستثمار في المواطن هو الاستثمار الأكثر مردودية.